الروابط الأخرى، وبرزت فكرة الأمة الواحدة كما سيتضح عند دراسة دستور المدينة المنورة، وتقسيمات السكان صار أساسها عقديًا وصاروا يقسمون إلى ثلاث مجموعات هي: المؤمنون والمنافقون واليهود.
ولا شك أن تدفق المهاجرين إلى المدينة ولَّدَ مشاكل اقتصادية واجتماعية، كان لابد من مواجهتها بقرار حاسم، فكان أن شُرِّع نظام المؤاخاة.
نظام المؤاخاة في عهد النبوة
اعتبر الإسلام المؤمنين كلهم إخوة فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، وأوجب عليهم الموالاة لبعضهم والتناصر في الحق بينهم، لكن موضوع هذا البحث هو المؤاخاة الخاصة التي شرعت وترتبت عليها حقوق وواجبات أخص من الحقوق والواجبات العامة بين المؤمنين كافة.
ويشير البلاذري إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المسلمين في مكة قبل الهجرة على الحق والمواساة، فآخى بين حمزة وزيد بن حارثة، وبين أبي بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال الحبشي، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وطلحة بن عبيد الله، وبينه وبين علي بن أبي طالب [1] .
ويعتبر البلاذري (ت 276 ه) أقدم من أشار إلى المؤاخاة المكية، وقد تابعه في ذلك ابن عبد البر (ت 463 ه) دون أن يصرح بالنقل عنه [2] ، كما تابعهما ابن سيد الناس دون التصريح بالنقل عن أحدهما [3] . وقد أخرج الحاكم في المستدرك من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر:"آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان".
وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن أبي الشعثاء عن ابن عباس:"آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين الزبير وابن مسعود" [4] .
ومال كل من ابن القيم وابن كثير إلى عدم وقوع المؤاخاة بمكة، فقال ابن القيم:"وقد قيل أنه - أي النبي صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها عليًا أخًا لنفسه، والثبت الأول [5] ، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار" [6] أما ابن كثير فقد ذكر أن من العلماء من ينكر هذه المؤاخاة لنفس العلة التي ذكرها ابن القيم [7] .
ومما يرجح ما ذهب إليه ابن القيم وابن كثير أن كتب السيرة الأولى المختصة لم تشر إلى وقوع المؤاخاة بمكة، كما أن البلاذري وهو المصدر الوحيد القديم الذي أشار إليها ساق الخبر بلفظ (قالوا) دون إسناد مما يضعف الرواية، كما أن البلاذري نفسه ضعفه النقاد. وعلى فرض صحة وقوع هذه المؤاخاة بمكة فإنها تقتصر على المؤازرة والنصيحة بين المتآخين دون أن تترتب عليها حقوق التوارث.
المؤاخاة في المدينة:
وقد واجه المهاجرون من مكة إلى المدينة مشاكل متنوعة، اقتصادية واجتماعية وصحية، فمن المعروف أن المهاجرين تركوا أهليهم ومعظم ثرواتهم بمكة، كما أن مهارتهم كانت في التجارة التي تمرست
(1) البلاذري: أنساب الأشراف 1/ 270.
(2) الدرر في اختصار المغازي والسير 100.
(3) عيون الأثر 1/ 199.
(4) ابن حجر: فتح الباري 7/ 271.
(5) يعني المؤاخاة في المدينة.
(6) زاد المعاد 2/ 79 وقد سبقه شيخه ابن تيمية فنفى وقوع المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصًا مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضًا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحدٍ منهم ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري (ابن تيمية: منهاج السنة النبوية(4/ 96 - 97) وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله:"وهذا رد للنص بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى وبهذا تظهر مؤاخاته صلى الله عليه وسلم لعلي لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة لأن زيدا مولاهم فقد ثبت أخوتهما وهما من المهاجرين (الفتح 7/ 271) ."
(7) السيرة النبوية لابن كثير 2/ 324.