ومنها (جوامع السيرة) لابن حزم الظاهري (ت 456 ه) وقد تخلى عن طريقة ذكر الأسانيد، ولم يشر إلى مصادره [1] ، ورجح بين الروايات وأثبت في كتابه ما اختاره وحقق في تواريخ الأحداث [2] وغلبت عليه طريقة التلخيص فجرد السيرة من الأشعار والقصص [3] .
ومنها (الكامل في التاريخ) لابن الأثير الجزري (ت 632 ه) ، وهو مؤرخ ثقة وكتابه تاريخ عام خصص قسما منه للسيرة.
ومنها (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) لابن سيد الناس (ت 734 ه) وهو محدث ثقة، وثقه الذهبي وابن كثير، وقد أكثر فيه النقل عن كتب الحديث إلى جانب كتب المغازي التي سبقته، وقد ذكر مصادره في مقدمة كتابه.
ومنها (زاد المعاد في هدي خير العباد) لابن القيم (ت 751 ه) وهو من أعلام العلماء في عصره، وكتابه نفيس في الشمائل والآداب والفقه والمغازي، فهو مزيج من ذلك كله.
ومنها (السيرة النبوية) للحافظ الذهبي (ت 748 ه) ، وهو مؤلف ثقة يمتلك عقلية ناقدة جيدة وخاصة في استخدام قواعد المحدثين التي يعتبر من أهل الاستقراء التام فيها، وقد اقتصر على نقد بعض الروايات في كتابه هذا.
ومنها (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (ت 774 ه) وهو تاريخ عام خصص قسما منه للسيرة، وابن كثير من الأئمة الثقات المتحققين وثقه الذهبي والعسقلاني وابن العماد الحنبلي.
ومنها (إمتاع الأسماع) للمقريزي، وهو ثقة، وقصد الاختصار وتخلى عن ذكر الإسناد، وقال السخاوي عن (الإمتاع) :"فيه الكثير مما ينتقد" [4] .
ومنها (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية) لأحمد بن محمد القسطلاني (ت 923 ه) .
ومنها (شرح المواهب اللدنية) لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت 1122 ه) .
والمواهب وشرحه من الكتب الجامعة في الشمائل والسيرة.
ومنها (السيرة الحلبية) لبرهان الدين الحلبي (ت 841 ه) فيه حشو وقصص إسرائيلي [5] . وقد حذف أسانيد الروايات واكتفى بذكر راوي الخبر وشرح بعض الغريب وإضافة تعليقات أخرى.
ومنها (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) لمحمد بن يوسف الدمشقي الشامي (ت 942 ه) انتخبها من أكثر من 300 كتاب.
هذا أهم ما وصل إلينا من مصادر السيرة، وهي كما ذكرت تلي من حيث الدقة القرآن الكريم والحديث الشريف، ولكن هذا لا يعني أن كل ما أوردته كتب السيرة له نفس القيمة من حيث الصحة، بل ولا يشترط أن يكون كله صحيحًا، بل فيه الصحيح والضعيف، وينبغي عند دراسة السيرة الاعتماد على الصحيح أولًا ثم استكمال الصورة بما هو حسن أو مقارب للحسن، ولا يلجأ إلى الضعيف فيما له أثر في العقائد أو التشريع، ولا بأس من الأخذ به-عند مالا نجد غيره من الروايات القوية -فيما سوى ذلك من أخبار تتعلق بالحث على مكارم الأخلاق أو وصف لعمران أو صناعات أو زروع، أو ما شاكل ذلك.
وهذا المنهج اتبعه أهل الحديث أنفسهم، قال عبد الرحمن بن مهدي (ت 197 ه) "إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال" [6] .
إن السيرة بحاجة إلى تمحيص أسانيدها ومتونها تبعا لقواعد المحدثين في نقد الحديث، ومما يعين على ذلك أن سائر مصادر السيرة المهمة قد أوردت الروايات تتقدمها الأسانيد، وأن معظم رواة السيرة من المحدثين الذين ترجمت لهم كتب الرجال وأوضحت حالهم وبينت ما قيل فيهم من جرح و تعديل.
إن عدم استعمال البعض لهذا المنهج يرجع إلى ما في ذلك من صعوبة وجهد في معرفة الرجال وأحوالهم والتفتيش عنهم، وفي إتقان علوم الحديث والتمرس على تطبيقها في النقد التاريخي، لكن آخرين قد يتجاهلون هذا المنهج ويغمطونه حقه بالتقليل من جدواه والتشكيك من قيمته وتوسيع بعض المآخذ عليه.
إن هؤلاء - لاشك - يجهلون حقيقته - وقد أوضح أسد رستم - وهو رجل نصراني لا يتعصب لدين-
(1) لكنه صرح بالنقل عن خليفة بن خياط في ثلاثة مواضع، وعن تاريخ أبي حسان الزيادي في ثلاثة مواضع أيضًا، وعن الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر في موضع واحد، ورأى محققو كتابه أنه نقل عن الدرر كثيرًا بتصرف وقطع بذلك شوقي ضيف (راجع جوامع السيرة، المقدمة ص 8 والدرر: المقدمة ص 15) .
(2) جوامع السيرة، مقدمة ص 10.
(3) المصدر نفسه ص 13.
(4) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ (ملحق علم التاريخ عند المسلمين) لروزنتال ص 30.
(5) جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، السيرة النبوية ص 10.
(6) فتح المغيث 1/ 284.