قيمة مناهج المحدثين في النقد مثبتا لهم سابقتهم وإبداعهم، وذلك في كتابه (مصطلح التاريخ) ، إنه لابد من اتباع هذا المنهج في النقد عند دراسة السيرة، بل ودراسة التاريخ الإسلامي عامة، فلئن كان التدقيق في حقل السيرة أهم وأولى لتعلقها بالعقيدة والشريعة وصياغة الشخصية الإسلامية، فإن الحاجة إلى استعمال هذا المنهج في دراسة تاريخ الراشدين والأمويين والعباسيين شديدة لتأثير الأهواء على الإخباريين واختلاط الحق بالباطل اختلاطا يصعب تمييزه إلا على المتضلعين بالرجال ومعرفة جرحهم وتعديلهم وميولهم وعقائدهم. إن كتب التاريخ مزيج من مقتطفات أوردها إخباريون ذوو اتجاهات سياسية ومذهبية متباينة، فلو أريد إعطاء صورة عن العصر الأموي مثلا من خلال مرويات أبي مخنف فقط، فإنها تكون مغايرة كثيرا للصورة التي تكونها مرويات عوانة بن الحكم أو أبي اليقظان النسابة وحدها.
مصادر أخرى تكميلية:
وتأتي المصادر التكميلية بعد القرآن الكريم والحديث الشريف وكتب السيرة المختصة من حيث الدقة والأهمية، وهي تكمل معالم الصورة، وتملأ بعض الثغرات التي ظلت باقية بعد استيفاء المصادر الأصلية.
فكتب الأدب تلقي ضوءًا على الحياة الثقافية ومستوى المعيشة وأنواع الملابس والأطعمة والعادات وغير ذلك من جوانب الحياة في عصر السيرة، والشعر خاصة يعتبر وثيقة تاريخية مهمة حيث يعكس الحياة العقلية والاجتماعية ويصور المعارك ويبرز البطولات، ويكفي هنا الإشارة إلى دور كل من حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة في تصوير بعض أحداث السيرة، ولكن ينبغي الانتباه إلى أن كتب الأدب تعني بالشاذ والغريب والطريف فتدونه أكثر من عنايتها بأحداث الحياة الرتيبة، ومن هنا نتبين خطورة تعميم ما فيها.
وكتب معرفة الصحابة تترجم للجيل الذي عاش أحداث السيرة، فتقدم معلومات تاريخية موثقة، وإن كانت مشتتة وقليلة، بعضها يتناول أنسابهم وبعضها يتناول أخبارهم، وبقية كتب التراجم والرجال (إضافة لكتب معرفة الصحابة) تفيد في التعريف برجال أسانيد كتب السيرة مما له أثر كبير في دراسة موارد تلك الكتب وفي التمكن من نقد أسانيدها.
وكتب الجغرافية التاريخية تلقي ضوءًا على تضاريس الجزيرة العربية التي دارت فيها أحداث السيرة وتبين مستوى المعيشة وحاصلاتها الزراعية وتحدد المسافات بين الأماكن وتوضح توزيع العشائر.
وهكذا، فإن المصادر التكميلية تساعد على استكمال دراسة جوانب السيرة وإجلاء تفاصيلها ودقائقها.
(وبعد) : فهذه نظرة عجلى في مصادر السيرة، ولا يسعني في الختام إلا الإشارة إلى حاجتنا الملحة إلى مناهج شاملة في النقد التاريخي والتفسير التاريخي، حيث ستظل الدراسات التاريخية الإسلامية قاصرة وعاجزة عن التعبير-بصدق وعلمية- عن سيرة أمتنا التاريخية ما لم تتكامل مناهج النقد والتفسير التاريخيين.
لقد قدم الفكر الأوروبي مجموعة كبيرة من الدراسات عن طبيعة التاريخ ومناهج نقده وتفسيره، بعضها مترجم إلى العربية [1] ، ولكن هذه الدراسات تعكس وجهة النظر الغربية وهي نابعة من فلسفة الحياة الأوروبية، وطبيعة التاريخ الأوروبي ومشاكل دراسته، كما أن تطبيقاتها مأخوذة منه، ونحن بحاجة إلى دراسات-في مستواها-تنبع من عقيدتنا وتتكيف لتاريخنا ولا تنظر إليه من خلال زاوية النظر الغربية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض العرب المسلمين كتبوا دراسات أولية [2] ، وطرحوا مقترحات مفيدة بهذا الصدد، لكنها لا تعدو ذلك ولا تكون منهجا كاملا للبحث ولا نظرية شاملة لتفسير التاريخ الإسلامي من المنطلقات الإسلامية الصحيحة.
(1) مثل كولنود: فكرة التاريخ.
ادورد كار: ما هو التاريخ؟.
أ. ل. راوس: التاريخ أثره وفائدته.
فردريك انجلز: التفسير الاشتراكي للتاريخ.
لانجلوا وسينيبوس: النقد التاريخي.
آرنست كاسيرر: في المعرفة التاريخية.
جوزيف هورس: قيمة التاريخ.
ايمري نف: المؤرخون وروح الشعر.
(2) سيد قطب: في التاريخ فكرة ومنهاج.
فتحي عثمان: أضواء على التاريخ الإسلامي.
عبد الرحمن الحجي: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي.
عماد الدين الخليل: التفسير الإسلامي للتاريخ.
عبد الحميد صديقي: تفسير التاريخ.