الثوري، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وسلم) :"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل". ثم تلا: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} [1] .
هذا حديث صحيح من حديث الثوري أخرجه مسلم [2] من هذا الوجه، وهو مشهور عن الثوري رواه وكيع وعبد الرحمن وغيرهما، وهو مشهور عن أبي الزبير رواه عبد الملك بن جريج. اهـ.
(1) الغاشية آية 21 و 22.
(2) في الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله،1/ 52 ح 35.
التعليق:
بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم ليدعوا الناس إلى توحيده وإفراده بالعباد. وأول ما يدعى إليه من أمور الدين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله. لأن ذلك هو الأساس الذي لابد من الاقرار به أولا ثم يتبعه أركان الإسلام التي هي الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج وغير ذلك من أمور الدين - كما جاء في حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه المتفق عليه حين بعثه صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن وأمره أن يدعوهم أولا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسول الله ... الحديث.
والأحاديث التي أوردها المصنف تحت هذا العنوان تشمل الشهادتين وحقوقا أخرى سواهما.
وأول هذه الأحاديث حديث أبي هريرة، ففيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل"."
ومثله حديث جابر وأبي هريرة رقم 4، 6. وحديث أبي هريرة رقم 5، وحديثا جابر أيضا رقم 7، 8.
هذه الأحاديث جميعها قد جعلت غاية المقاتلة حصول شرطين:
أحدهما: الشهادة لله بالوحدانية، وهي متضمنة الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
ثانيهما: حق الإسلام، ففي حديث جابر وأبي هريرة"عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وفي حديث جابر إلا بحق الإسلام"
وحقوق الإسلام سوى الشهادتين كثيرة، أهمها أركان الإسلام التي هي الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج.
أما حديث أبي هريرة الثاني من أحاديث الفصل فقد فسر لنا معنى هذا الحق الذي ورد في هذه الأحاديث من أبي بكر رضى الله عنه في مناظرته مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه في ذلك.
يقول أبو هريرة رضى الله عنه في هذا الحديث: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر رضى الله عنهما: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله". فقال أبو بكر:"لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال ..."الحديث.
يقول الشوكاني في نيل الأوطار 4/ 127 - 130 ط الثانية سنة 1371 هـ في شرح هذا الحديث قوله (وكفر من كفر من العرب) :"قال الخطابي: أهل الرد كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر. وهم الذين عناهم أبو هريرة، وهذه الفرقة طائفتان:"
إحداهما: أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن استجاب من أهل اليمن، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مدعيه النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم.
والطائفة الأخرى: ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمر الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس.
قال:"والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة، فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء هم على الحقيقة أهل البغي، وإنما لم يدعو بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمها. وأرخ مبدأ القتال في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ كانوا منفردين في زمانه لم يخلطوا بأهل الشرك ... وقد كان في زمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولم يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب فراجع أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس .."الحديث، وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه، فقال أبو بكر: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة الدم والمال متعلقة بأطراف شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدون. ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، وقد اجتمع في ذلك القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته، فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: فعرفت أنه الحق، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة".
ثم قال الشوكاني بعد أن استكمل شرح الحديث:"واعلم أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها ولعلها لم تبلغ الصديق ولا الفاروق ولو بلغتهما لما خالف عمر ولما احتج أبو بكر بتلك الحجة التي هي القياس ثم أورد حديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه البخاري ومسلم وهو الحديث الذي أورده المصنف هنا رقم (3) وحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في الزكاة ومسلم في الإيمان". اهـ.
وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو الحديث الثالث من أحاديث الفصل، فهو نص صريح في أن الحقوق التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاتلة الناس عليها سوى الشهادتين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن العصمة للدم والمال مشروطة بالإتيان بذلك مع الالتزام بحق الإسلام الذي هو أهم من الصلاة والزكاة كما جاء في الأحاديث الأخرى.
وبعد فتبين لنا من هذه الدراسة أن الأحاديث التي أوردها المصنف تحت هذا العنوان تشمل الشهادتين وزيادة. لذلك فهي أعم من العنوان إلا أن يراد أن الشهادتين هي أول ما يدعى إليه العباد، لكن هذا الاحتمال يعكر عليه عنوان الفصل التالي بهذا الفصل وهو قوله:"ذكر بيان حق الله عز وجل على عباده بعد شهادة لا إله إلا الله"وقد أورد تحت هذا العنوان حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي جعل غاية مقاتلة الناس بعد الشهادتين الإتيان بأمور دل الحديث عليها. ونص الحديث"أمر أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا ..."الحديث فقوله:"أقاتل الناس ... وحتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"يشمل أهل الأوثان. فالحديث أعم من أن يكون مختصا بأهل الكتاب. لذلك يظهر لنا أن الأحاديث الواردة في الفصل الأول أشمل مما جاء في الترجمة فكان من المناسب دمج العنوان التالي مع الأول في عنوان واحد وذلك لاشتمال كل الأحاديث على حقوق سوى الشهادتين. والله أعلم.