فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 389

5 -ذكر ما يدلّ على أنّ من الإيمان أنْ يؤمن بالقدر خيره وشرّه

1 - (5) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن مروان [1] ، ويحيى بن عبد الله بن الحارث [2] الدمشقيان، قالا: أنبا أحمد بن علي بن سعيد [3] ، ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب [4] ، وأنبا محمد بن محبوب [5] ، ثنا محمد بن عيسى بن سورة [6] ، ثنا حسين بن حريث [7] ، ثنا وكيع [8] ، ثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر قال: أول من قال [9] في القدر معبد الجهني، قال: فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن فأتينا [10] المدينة فدخلنا المسجد فقلت لصاحبي لو لقينا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وسلم) فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم، قال: فإذا ابن عمر [11] خارج من المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي، وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن قبلنا [12] قومًا يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وإنما الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأعلمهم أني منهم بريء وأنهم مني براء والذي يحلف به ابن عمر لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره 2/ب، ثم قال: حدثنا عمر [13] بن الخطاب، قال:"كنا جلوسًا عند النبي [14] صلى الله عليه (وسلم) إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي صلى الله عليه (وسلم) فالزق ركبته بركبته 2/ب، ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: فما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده، ورسوله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان. قال: صدقت [15] فما الإحسان؟ قال: تعبد الله كأنك تراه فإن لم تره [16] فإنه يراك. فقال في كل ذلك يقول له صدقت. قال: فعجبنا منه يسأله ويصدقه قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة أصحاب [17] الشاء يتطاولون في البنيان. قال عمر: فلقيني النبي صلى الله عليه (وسلم) بعد ذلك بثلاث فقال: يا عمر هل تدري من السائل؟ ذاك جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم معالم [18] دينكم" [19] . اهـ [20] .

(1) محمد بن إبراهيم هو محدث دمشق أبو عبد الله القرشي، الدمشقي، خرج له ابن مندة الحافظ ثلاثين جزءًا، كان ثقة مأمونة جوادًا مفضلًا. توفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. شذرات الذهب 3/ 27.

(2) يحي بن عبد الله، أبو بكر القرشي المعروف بابن الزجاج الكاتب، روى عنه ابن مندة، وقال فيه الشيخ الثقة. ت /دمشق لابن عساكر 18/ورقة 75، خ الظاهرية المجمع العلمي.

(3) أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم القرشي الأموي المروزي القاضي بدمشق. وثقه النسائي وغيره، مات بدمشق سنة اثنتين وتسعين ومائتين. ت/بغداد 4/ 204، تذكر الحفاظ 2/ 663، طبقات الحفاظ ص 289، وفي التقريب: ثقة حافظ 1/ 22.

(4) زهير بن حرب بن شداد نزيل بغداد ثقة ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث. تقريب 1/ 264.

(5) الإمام المحدث أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضل المحبوبي المروزي، روى جامع أبي عيسى عنه، حدث عنه ابن مندة. قال الحاكم سماعه صحيح. توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 10/ورقة 133، العبر 2/ 272.

(6) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي أبو عيسى صاحب الجامع أحد الأئمة، ثقة حافظ، من الثانية عشرة، مات سنة تسع وسبعين /تمييز. العبر 2/ 62، تقريب 2/ 198، شذرات الذهب 2/ 175.

(7) الحسين بن حريث الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزي، ثقة من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين. تقريب 1/ 175.

(8) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين، وله سبعون سنة /ع. تقريب 2/ 331.

(9) في الترمذي: أول من تكلم.

(10) في الترمذي: حتى أتينا المدينة فقلنا لو لقينا رجلًا من أصحاب رسول الله.

(11) في الترمذي: فلقيناه، يعني عبد الله بن عمر.

(12) في الترمذي: إن قومًا.

(13) في الترمذي: قال: ثم أنشأ يحدث فقال: قال عمر ....

(14) في الترمذي: كنا عند رسول الله صلى الله عليه (وسلم) فجاء رجل.

(15) قوله: قال: صدقت. ليست في الترمذي.

(16) في الترمذي: فإن لم تكن تراه.

(17) في الترمذي: رعاء الشاء.

(18) في الترمذي: أمر دينكم.

(19) تقدم ص 119 أن الحديث أخرجه م، ت، د، س وهذه الرواية هنا هي رواية الترمذي مع اختلاف خفيف في بعض الألفاظ وقد نبهت على ذلك في الحاشية.

(20) أورد المصنف هذا الحديث تحت عنوان. من الإيمان أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وهو ظاهر الدلالة على ذلك، وقد عد الإيمان بالقدر الركن السادس من أركان الإيمان، ولا شك أن من كانت عقيدته الإيمان بالقدر خيره وشره سعد في الدارين. ففي حياته الدنيا يعيش هادئًا مطمئنًا لعلمه أن ما يصيبه قد كتبه الله عليه كما قال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} . وكما في مسند الإمام أحمد 3/ 117 عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وسلم) يقول:"عجبت للمؤمن إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيرًا له". وفي الآخرة لإيمانه بذلك حيث يجد ثواب المؤمن. وعلى الإيمان بالقدر خيره وشره عاش سلفنا الصالح، فكان ذلك دافعًا لهم إلى العمل والجهاد في سبيل الله، لإيمانهم بقوله صلى الله عليه وسلم:"اعملوا فكل ميسر لما خلق له". إلى أن أدخل أعداء الإسلام على المسلمين كيدهم ودسائسهم الخفية وذلك بعد عجزهم عن مواجهته العلنية، فأدخلوا عليهم أفكارًا هدامة تثير الفرقة وتشتت وحدة المسلمين وتجعلهم فرقًا وأحزابًا يكفر بعضهم بعضًا مع تعطيلهم النصوص الشرعية الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه (وسلم) ، ومن هذه الدسائس فكرة نفي القدر التي نشأت على يد معبد الجهني فقد كان هو أول قائل بنفي القدر في الإسلام، ومعناه أن الله عز وجل لم يقدر مقادير العباد و إنما أمر العباد مستأنف فالله عز وجل لا يعلم من العبد شيئًا من فعله إلا بعد وقوعه منه. وبتلك السنة التي سنها معبد استحق قوله صلى الله عليه (وسلم) :"من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". وقد أخذ معبد الجهني مذهبه هذا عن رجل نصراني، يقول محي الدين عبد الحميد في مقدمته على مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (ص 10) : وقد أخذ معبد مذهبه في نفي القدر عن رجل نصراني من أهل العراق اسمه (سوسن) فقد أظهر سوسن هذا الإسلام، وصحب معبد بن عبد الله الجهني البصري ونفث في صدره سمومه وعلمه القول بالقدر فكان معبد هذا أول من قال بالقدر في الملة المحمدية ولفساد مذهبه وتأثيره في المجتمع اشتغل أهل زمانه بتحذير الناس منه. فروي أن ابن عمر رضى الله عنهما حين بلغه شأنه أعلن البراءة منه، وروي أن الحسن كان يقول: إياكم ومعبد فإنه ضال ومضل، وروي أن مسلم بن يسار كان يجلس إلى سارية في المسجد يقول: إن معبدًا يقول بقول النصارى، وما زال كذلك حتى أخذه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين فقتله وصلبه بدمشق. ا هـ.

ويقول عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص 14 - 15) الطبعة الأولى سنة 1393 هـ:"ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية ولا يصلوا على جنائزهم ولا يعودوا مرضاهم ... قال:"ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزال في القدر وفي المنزلة بين المنزلتين وانضم إليه عمرو بن عبيد بن باب في بدعته فطردهما الحسن عن مجلسه". ا هـ."

وقال شارح الطحاوية (ص 240 - 243) :"ينكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالمًا في الأزل وقالوا: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا".

قال:"وقد ضل في هذا الموضوع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكرون علمه بالجزئيات أو بغير ذلك فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر، وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة، حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد فأخرجوها عن قدرته وخلقه. والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع: هو ما قدره الله من مقادير العباد، وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء كقول ابن عمر رضى الله عنهما لما قيل له: يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: أخبروهم أني بريء منهم وأنهم مني براء". ا هـ.

ويقول الخطابي في معالم السنن شرح سنن أبي داود (5/ 70) ط / الأولى 1388 هـ /1969 م:"وفي قول ابن عمر رضى الله عنهما:"إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم براء مني"دلالة على أن الخلاف إذا وقع في أصول الدين وكان مما يتعلق بمعتقدات الإيمان أوجب البراءة، وليس كسائر ما يقع في الخلاف من أصول الأحكام وفروعها التي موجباتها العمل في أن شيئًا منها لا يوجب البراءة ولا يوقع الوحشة بين المختلفين". ا هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت