يستنبط منها أحكام فقهية لا علاقة لها بثمن الجمل سواءً كان عشرة دراهم ولَّا عشرين ولَّا ثلاثين ولَّا مائة، هذا لا علاقة له بالحكم الفقهي، فهو أخرج هذا الحديث مع ما فيه من الاختلافات لكنه لم يحتج بموطن الاختلاف، وإنما احتج بما اتفق عليه الرواة، والصورة طبعًا تكون أوضح في مثل جمل جابر؛ لأن ثمن الجمل أصلًا لا علاقة له بالفقه أصلًا، فقد تكون المسألة أصلًا التي اُخْتُلِفَ فيها لا يُستنبط منها حكم، هل نستفيد حكم إذا كان بعشرة ولَّا ثلاثين ولَّا أربعين يخرج عندنا، يعني لو قلت ثمن الجمل أربعين درهم ما يجوز إنه يزيد أو ينقص؟ ما يقول هذا أحد، لا علاقة لقيمة الجمل بالفقه أصلًا، ولذلك الاختلاف ليس مهمًا، ولذلك لمسلم يضبط الرواة هذا الثمن أصلًا، فإذا كان الأمر المختلف فيه ليس له قيمة من ناحية الحكم الفقهي، أو حتى لو كان له أثر لكن البخاري لم يستند إلى هذا الجزء الذي وقع فيه الاختلاف وإنما استند إلى بقية الحديث التي لم يقع فيها اختلاف، إذًا هذا لا اعتراض فيه على البخاري لأنه أورد حديثًا شاذًا في صحيحه مع علمه به.
الجواب الثاني: أن يكون البخاري أخرج هذا الحديث الشاذ وهذه الرواية الشاذة لبيان شذوذها، وهذا قد وقع في قصة جمل جابر أيضًا صراحة، فمثلًا قضية اشتراط الركوب، صرَّح البخاري بأن اشتراط الركوب هو الأصح، حيث أوردها بعد ما أوردها قال: أصح من غيره من الروايات، بعد أن أورد اشتراط الركوب قال:"هذا أصح من غيره من الروايات"، فبيَّن أنه الصحيح اشتراط الركوب، أما الرواية الأخرى التي ليس فيها اشتراط الركوب فليست بصحيحة عنده.
إذًا: لمَّا أخرج هذه الرواية أخرجها منبهًا على ضعف الرواية الأخرى وأن الرواية التي فيها اشتراط الركوب أولى وأرجح فهي المحفوظة، وتلك الشاذة حسب تعريف الحافظ بن حجر للشاذ والمحفوظ.
ومثله تمامًا الإمام مسلم وسيأتي الكلام عن ما وقع التجاذب بين مدلوليه عند الإمام مسلم وذكر الأمثلة، حتى القصص نافلة الفجر الإمام مسلم أوردها لبيان علتها ومن نظر في الباب الذي أورده الإمام مسلم في هذه القصة يظهر له ذلك جليًا، وكذلك غيره من الأحاديث التي وقع التجاذب بين مدلوليها في صحيح مسلم أوردها لبيان الاختلاف الذي فيها، ولبيان علة الرواية التي يرى أنها مرجوحة، وبهذا التوجيه لا يمكن أبدًا يعني بهذين الجوابين:
الجواب الأول: أن نقول بأَنَّه أَثْبِت أولًا أن هذا الحديث شاذ عند البخاري، إذا ما أثبت أن هذا الحديث شاذ عند البخاري لا يمكن أن تقول أن البخاري لا يشترط الشذوذ؛ لأنه قد يكون شاذ عندك وليس بشاذ عند البخاري، إذا كان الحديث يظهر من سياق الروايات أنه لا يمكن أن يكون البخاري لا يرى