وسيأتي بقية الطبقات والكلام عنها عندما نتكلم عن مناهج بقية الكتب بإذن الله تعالى، لكن المقصود أن البخاري يحرص ألا يُخرج إلا للطبقة الأولى؛ هذه قمة حقيقة في النقل وفي التحري وفي التثبت، فإن لم يجد إلا المرحلة الثانية - وهي أيضًا للثقة التام الضبط - أخرج لها في كتابه"الصحيح"، لكنها تعتبر شرط فرعي - إن صح التعبير - في كتاب"الصحيح".
مازلنا نتكلم عن العدالة والضبط، وقد يَعترض بعض الناس على ذلك لوجود رواة تُكُلِّم فيهم في"صحيح البخاري"، وقد عدَّهم الحافظ ابن حجر، قال: إنهم نحو الثمانين راوٍ، وهناك كتاب آخر واسع في ذِكْر من تُكُلِّم فيه من رجال الصحيحين، وهو كتاب أبي زرعة العراقي واسمه:"البَيَان والتوضيح لمَنْ مُسَّ بِضَرْبٍ من التجريح أُخْرِج له في الصحيح"لأبي زُرعة أحمد بن عبد الرحيم بن حسين العراقي، ذكر في هذا الكتاب سبعة وخمسين وثلاثمائة راوٍ تُكُلِّم فيهم في"صحيح البخاري"، لكن بالطبع أكثر هؤلاء الرواة لم يُتَكَلَّم فيهم بشيء يُنزل مرتبتهم أصلًا، يعني الذين فيهم كلام فيه شيء من الوَجَاهَة، فيه شيء من القوة لعلهم لا يبلغون حد الثمانين كما ذكر الحافظ بن حجر هذا العدد الكبير.
ما هو موقفنا من هؤلاء الرواة؟
نقول: نقسم هؤلاء الرواة إلى أقسام:
القسم الأول: مَنْ تُكُلِّم فيه بالجهالة، وقلنا: أنه لا يُقبل الحكم بالجهالة على راوٍ من رواة ..."الصحيح"
القسم الثاني: المُتَكَلَّم فيه ببدعة وهم قسم كبير من هؤلاء الرواة، بيَّنا موقف البخاري من هن رواية المبتَدِع وموقفه منهم، والموقف الصحيح الذي صار عليه المحدثون، وسيخرج أيضًا عددًا كبيرًا من هؤلاء الرواة.
القسم الثالث: مَنْ تُكُلِّم فيه لأنه وَهِم في حديث أو أخطأ في حديثين أو ثلاثة، لكنه ما زال في درجة الضبط والإتقان، فمثل هؤلاء لا تُترك رواياتهم كلها من أجل خطأين أو ثلاثة أو أربعة أو من أجل أنه خف ضبطه.
القسم الرابع: من كان ضعيفًا على الواضح عندنا نحن، وإن كان في علم البخاري قد يكون بخلاف ذلك، المقصود أنه قد يكون ضعيفًا حتى عند البخاري، فمثل هؤلاء ربما أخذ البخاري من هؤلاء وانتقى من حديثهم ما ضبطوه وأتقنوه؛ لأنه حتى سيئ الحفظ لا يُتَصَوَّر أَلَّا يضبط وَلَا حديث، قد