الصفحة 158 من 306

"فإذا كان ذلك جائزًا لأجل التافه من حطام هذه الدنيا الفانية، فكان ذلك عند ذَبِّ الكذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى وأحرى، فإن الشاهد إذا كذب في شهادته لا يتعداه كذبه، والكاذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُحِلُّ الحرام ويحرم الحلال ويتبوأ مقعده من النار".

يقول: إذا نشترط العلم بحال الراوي ولا نقبل رواية المجهول في الأمر التافه من حطام هذه الدنيا، فكيف في أمر الدين وفي أمر التحليل والتحريم؛ أيضًا عبارة واضحة في أنه لا يمكن أن يكون يقبل المجهول.

يقول في إحدى التراجم في"المجروحين"أيضًا، في ترجمة عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، يقول عن هذا الراوي، نذكر عبارة كاملة حتى يتضح المعنى، يقول:

"يروي عن أبيه، روى عنه محمد بن شعيب بن شابور والناس، وأكثر روايته عن أبيه، وأبوه لا يجوز الاحتجاج بروايته لما فيه من المقلوبات التي وهم فيها".

هذا الرجل يروي عن أبيه وأبوه فيه ضعف، وأكثر مروياته عن أبيه التي فيها أخطاء وفيها أوهام - حسب كلام ابن حبان - ثم يقول:

"فلست أدري؛ البلية في تلك الأخبار منه أو من ناحية أبيه".

يعني الروايات التي يرويها عن أبيه وفيها مناكير وفيها أخطاء، هل الخطأ منه أو من أبيه؛ لأن أباه أيضًا معروف بالخطأ والوهم، فكل حديث يقع فيه خطأ ووهم لا ندري هل هو من الابن أم من الأب الذي أيضًا غير معروف بالعدالة أو غير معروف بالضبط، يقول ابن حبان يكمل كلامه:

"وهذا شيء يَشْتَبِه؛ إذا روى رجلٌ ليس بمشهور بالعدالة عن شيخ ضعيف أشياءَ لا يرويها غيرُه، لا يتهيأ إِلْزَاق القدح بهذا المجهول دونه، بل يجب التَّنَكُّب عما رويا جميعًا حتى يحتاط المرء فيه، لأن الدين لم يُكَلِّف الله عبادَه أخذه عن كل من ليس بعدل مَرْضِي".

يقول: هذا الرواي نحن ما نعرفه، يروي عن والده، فلا ندري الأخطاء هذه منه أو من والده، يقول نترك رواية الاثنين، مع أنه ما جزم بجرح الابن؛ لأننا من نحن مكلَّفين أن نأخذ ديننا ممن لم نعرفه بالعدالة، ما دام أنه ليس بعدل فلا نأخذ روايتنا عنه أو أحاديثنا عنه أو ديننا عنه، يؤكد ذلك في ترجمة أخرى بصورة أوضح؛ في ترجمة عبد الله بن مُؤَمَّل المخزومي، يقول:

"كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته، فيُقبل ما انفرد به، وذاك لأنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيُحْكَم له"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت