ورجال إسناده ثقات إلا جحش بن زياد، فإني لم أجد من وثقه، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 550) : روى عنه الثوري، وجرير، ومحمد بن فضيل بن غزوان، وأبو بكر بن عياش.
وانظر التاريخ الكبير للبخاري القسم الثاني من الجزء الأول ص:253.
رابعًا: روى الترمذي (1726) ، وابن ماجه (3367) ، قالا: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن السمن والجبن والفراء. فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه) إسناده ضعيف، فيه سيف بن هارون، ورفعه منكر، فقد خالف سفيان بن عيينة سيف بن هارون، فرواه عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا عليه. ذكره الترمذي (1/ 192) وقال: وكأن الحديث الموقوف أصح.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (8/ 98) قال حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية عن سويد ـ غلام سلمان ـ وأثنى عليه خيرًا، قال: لما افتتحنا المدائن خرج الناس في طلب العدو، قال: قال سلمان: وقد أصبنا سلة، فقال: افتحوها، فإن كان طعامًا أكلناه، وإن كان مالًا دفعناه إلى هؤلاء، قال: ففتحنا فإذا أرغفة حواري، وإذا جبنة وسكين، قال: وكان أول ما رأت العرب الحواري، فجعل سلمان يصف لهم كيف يعمل، ثم أخذ السكين وجعل يقطع، وقال: بسم الله كلوا.
وهذا سند فيه ضعف؛ لأن فيه أبا جعفر الرازي صدوق سيئ الحفظ، كما أن في إسناده سويد، غلام سلمان. ذكره البخاري في تاريخه الكبير. (القسم الثاني، من الجزء الثاني ص:144) وقال: روى عنه الربيع بن أنس، وسمع سلمان قوله، وفي الجرح والتعديل (4/ 236) سويد غلام سلمان، وأثنى عليه خيرًا، روى عنه الربيع بن أنس، ومن الناس من يقول: الربيع بن أنس عن أبي العالية عن سويد، سمعت أبي يقول ذلك. اهـ قلت: أخرج الحديث البيهقي (9/ 60) من طريق يعقوب بن القعقاع، عن الربيع بن أنس عن سويد به.
وهذا الطريق على ما فيه من ضعف إلا أنه يشهد لما رواه الترمذي من طريق سفيان عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان.
خامسًا: قالوا: إن الإنفحة واللبن لا تنجس بالموت، ولو كانت تنجس بالموت لنجس اللبن بالحلب؛ لأن ما أبين من الحي فهو ميت، فإذا جاز أن يشرب اللبن ويحلب عرفنا أنه ليس بميت، ولا يتنجس بالموت، والإنفحة مثله.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/ 103) ، مرجحًا طهارتها: وأما لبن الميتة وإنفحتها، ففيه قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما: أن ذلك طاهر. كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
والثاني: أنه نجس كقول مالك والشافعي والرواية الأخرى عن أحمد.
وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإن ذبائح المجوس حرام عند جماهير السلف والخلف، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبنًا ـ والجبن يصنع بالإنفحة ـ كان فيه هذان القولان.
والأظهر أن جبنهم حلال، وأن إنفحة الميتة ولبنها طاهر، وذلك لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا جبن المجوس، وكان هذا ظاهرًا شائعًا بينهم وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر، فإنه من نقل بعض الحجازيين، وفيه نظر. وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز. ويدل على ذلك أن سلمان الفارسي كان نائب عمر بن الخطاب على المدائن، وكان يدعو الفرس إلى الإسلام، وقد ثبت عنه: أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء؟ فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفى عنه. وقد رواه أبو داود مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب، فإن هذا أمر بين، وإنما كان السؤال عن جبن المجوس: فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلها، وإذا كان روي ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انقطع النزاع بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأيضًا فاللبن والإنفحة لم يموتا، وإنما نجسهما من نجسهما لكونهما في وعاء نجس فيكون مائعًا في وعاء نجس، فالتنجيس مبني على مقدمتين على أن المائع لاقى وعاء نجسًا، وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا. فيقال أولًا: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته.
ويقال ثانيًا: إن الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال الله ـ تعالى ـ:"في بطونه من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين"، ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في بطنه، والله أعلم أهـ كلام ابن تيمية.
لذا فالراجح من كل ما سبق جواز أكل الجبن وإن كانت الإنفحة مما يعتبر ميتة كذبائح المجوس والمشركين، والله أعلم.
أخوكم
سلمان بن فهد العودة
ـ [أبو العبدين المصرى السلفي] ــــــــ [12 - 05 - 03, 04:47 ص] ـ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)