خلال اختيار الخليفة عبد الرحمن الناصر قضاة من أبناء البيوتات، ذات المكانة في الكورة نفسها أو غيرها من الكور، من ذلك أنه استقضى محمد بن عبد الخالق الغساني في النصف من ربيع الآخر سنة 300هـ (نوفمبر 912م) 1 كما أنه اختار الفقيه معن بن محمد بن معن الأنصاري على قضاء سرقسطة سنة 326هـ (938م) وظل على خطته بسرقسطه حتى وفاته سنة 330هـ (943م) فقد كان الفقيه معن متوليًا الأنصار من أهل سرقسطة وأحد رجالاتها وقدوة جماعتها2.
وبعد أن يقع الاختيار على أحدهم ليتولى قضاء الجماعة، يتم استدعاؤه للأمير أو الخليفة، حيث يعهد إليه بالقضاء ويعظه ويحدد له الحدود ويرسم له الرسوم، وما يقف عليه من أسباب القضاء ووجوه الأحكام.
ومما يلفت الانتباه في هذا الخصوص أن حكام بني أمية كانوا على درجة عالية من الثقافة والإلمام الواسع بمقتضيات الأمور، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما استدعى الفقيه ابن أبي عيسى ليوليه قضاء الجماعة، خاطبه بما أراد ووعظه ووصاه، وعندما حدَّث ابن أبي عيسى أبا عمر أحمد بن عبادة الرعيني3 (ت332هـ) بما جاء في وصايا الخليفة له،
1-المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص58.
2-التكملة، (طبعة كوديرا) ، ترجمة رقم 1157.
3-ابن الفرضي، ترجمة رقم 105.