فيه مسائل:
الأولى: في هذه الرواية:"فليجعل في أنفه"ولم يقل ماء وهو مبين في غيرها وتركه لدلالة الكلام عليه.
الثانية: تمسك به من يرى وجوب الاستنشاق وهو مذهب أحمد ومذهب الشافعي ومالك: عدم الوجوب وحملا الأمر على الندب بدلالة ما جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي:"توضأ كما أمرك الله"1 فأحاله على الآية وليس فيها ذكر الاستنشاق.
الثالثة: المعروف أن الاستنشاق جذب الماء إلى الأنف2 والاستنثار دفعه للخروج ومن الناس من جعل الاستنثار لفظا يدل على الاستنشاق الذي هو الجذب وأخذه من النثرة وهي طرف الأنف3 والاستفعال منها يدخل تحته الجذب والدفع معا والصحيح: هو الأول لأنه قد جمع بينهما في حديث واحد يقتضي التغاير.
الرابعة: قوله صلى الله عليه وسلم:"ومن استجمر فليوتر"الظاهر: أن المراد به: استعمال الأحجار في الاستطابة وإيتار فيها بالثلاث واجب عند الشافعي فإن الواجب عنده - رحمه الله - في الاستجمار أمران: أحدهما: إزالة العين والثاني: استيفاء ثلاث مسحات وظاهر الأمر الوجوب لكن هذا الحديث لا يدل على الإيثار بالثلاث فيؤخذ من حديث آخر4.
وقد حمل بعض الناس الاستجمار على استعمال البخور للتطيب فإنه يقال فيه: تجمر واستجمر فبكون الأمر للندب على هذا والظاهر: هو الأول أعني أن المراد: هو استعمال الأحجار.
الخامسة: ذهب بعضهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم لظاهر الأمر ولا يفرق هؤلاء بين نوم الليل والنهار لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا استيقظ من نومه".
وذهب أحمد إلى وجوب ذلك من نوم الليل دون نوم النهار لقوله صلى الله عليه وسلم:"أين باتت يده؟"والمبيت يكون بالليل.
1 جزء من حديث أخرجه الترمذي من حديث رفاعة بن رافع"302"وأبو داود"861"وقال أبو عيسى حديث رفاعة بن رافع حديث حسن.
2 مختار الصحاح نشق.
3 القاموس نثر.
4 هو ما أخرجه مسلم من حديث سليمان"262"قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم.