رافعا للحدث في وقت مخصوص وهو وقت الصلاة ولم يلزم من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الزمن: أن لا يكون رافعا للحدث ثم نسخ ذلك الحكم عند الأكثرين ونقل عن بعضهم أنه مستمر ولا نشك أنه لا يقول: إن الوضوء لا يرفع الحدث.
نعم ههنا معنى رابع يدعيه كثير من الفقهاء وهو أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسية وينزلون ذلك الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء فما نقول: إنه يرفع الحدث - كالوضوء والغسل - يزيل ذلك الأمر الحكمي فيزول المنع المرتب على ذلك الأمر المقدر الحكمي وما نقول بأنه لا يرفع الحدث فذلك المعنى المقدر القائم بالأعضاء حكما باق لم يزل والمنع المرتب عليه زائل.
فبهذا الاعتبار نقول: إن التيمم لا يرفع الحدث يمعنى أنه لم يزل ذلك الوصف الحكمي المقدر وإن كان المنع زائلا.
وحاصل هذا: أنهم أبدوا للحدث معنى رابعا غير ما ذكرناه من الثلاثة المعاني وجعلوه مقدرا قائما بالأعضاء حكما كالأوصاف الحسية وهم مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الرابع الذي ادعوه مقدرا قائما بالأعضاء فإنه منفي بالحقيقة والأصل موافقة الشرع لها ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك.
وأقرب ما يذكر فيه: أن الماء مستعمل قد انتقل إليه المانع كما يقال والمسألة متنازع فيها فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل ولو قيل بعدم طهوريته أو بنجاسته: لم يلزم منه انتقال مانع إليه فلا يتم الدليل والله أعلم.
الوجه الثالث: استعمل الفقهاء الحديث عاما فيما يوجب الطهارة فإذا حمل الحديث عليه - أعني قوله:"إذا أحدث"- جمع أنواع النواقض على مقتضى هذا الاستعمال لكن أبو هريرة قد فسر الحدث في بعض الأحاديث - لما سئل عنه - بأخص من هذا الاصطلاح وهو الريح إما بصوت أو بغير صوت فقيل له: يا أبا هريرة ما الحدث؟ فقال: فساء أو ضراط1 ولعله قامت له قرائن حالية اقتضت هذا التخصيص.
الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة2 ووجه الاستدلال به: أنه صلى الله عليه وسلم نفى القبول ممتدا إلى غاية الوضوء وما بعد الغاية مخالفة لما قبلها فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا.
1 البخاري"135".
2 قال الحافظ في الفتح: استدل بالحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى إلى غاية الوضوء وما بعدها مخالف لما قبلها فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا الحديث"135".