وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب والدرجات عليها والإجزاء كونها مطابقة للأمر والمعنيان إذا تغايرا وكان أحدهما أخص من الآخر: لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
والقبول على هذا التفسير: أخص من الصحة فإن كل مقبول صحيح وليس كل صحيح مقبولا وهذا - إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي عنها القبول مع بقاء الصحة - فإنه يضر في الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة كما حكينا عن الأقدمين.
اللهم إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة فإذا انتفى انتفت فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة حينئذ ويحتاج في تلك الأحاديث - التي نفي عنها القبول مع بقاء الصحة - إلى تأويل أو تخريج جواب على أنه يرد على من فسر القبول بكون العبادة مثابا عليها أو مرضية أو ما أشبه ذلك - إذا كان مقصوده بذلك: أن لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة: أن يقال: القواعد الشرعية تقتضي: أن العبادة إذا أتى بها مطابقة للأمر كانت سببا للثواب والدرجات والإجزاء والظواهر في ذلك لا تنحصر.
الوجه الثاني: في تفسير معنى الحدث فقد يطلق بإزاء معان ثلاثة.
أحدها: الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في باب نواقض الوضوء يقولون: الأحداث كذا وكذا.
الثاني: نفس خروج ذلك الخارج.
الثالث: المنع المرتب على ذلك الخروج.
وبهذا المعنى يصح قولنا رفعت الحدث ونويت رفع الحدث فإن كل واحد من الخارج والخروج قد وقع وما وقع يستحيل رفعه بمعنى أن لا يكون واقعا.
وأما المنع المرتب على الخروج: فإن الشارع حكم به ومد غايته إلى استعمال المكلف الطهور فباستعماله يرتفع المنع فيصح قولنا رفعت الحدث وارتفع الحدث أي ارتفع المنع الذي كان ممدودا إلى استعمال المطهر.
وبهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لأنا لما بينا أن المرتفع: هو المنع من الأمور المخصوصة وذلك المنع مرتفع بالتيمم فالتيمم يرفع الحدث غاية ما في الباب: أن رفعه للحدث مخصوص بوقت ما أو بحالة ما وهي عدم الماء وليس ذلك ببدع فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محالها.
وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة على ما حكوه ولا شك أنه كان.