فى هذه التراجم لا يعرفون ذلك، ويعتقدون أن هذا هو القرآن الصحيح =. ثم يمضى كاتب الرسالة فيقول: = إنه لما وقف على خطورة مثل هذه الترجمات بدأ يوعى الناس ضدها، وينهاهم عن قراءتها، ثم طالب بعمل ترجمة أمينة، يقرّها علماء المسلمين مع إلحاق تفسيرات وتعليقات توضيحية بها، تبين صعوبة ترجمة القرآن واستحالة الإحاطة بمعانيه (كلها) على أى لغة إنسانية أخرى غير العربية =، وقال صاحب الرسالة أيضا: = إن مثل هذه الترجمة تفيد في بيان الإسلام وآداب القرآن وأحكامه وفى إبلاغ الدعوة المحمدية إليهم بلغتهم = [1] ، وفعلا لم يستطع المبشرون أن يحرفوا النص العربى للقرآن، لكنهم استطاعوا أن يحرفوا في معانيه عند الترجمة.
وقد قلنا في بحث آخر لنا إن الترجمة أو الترجمات الأوربية للقرآن والمقدمات التى كتبت عليها مسئولة إلى حد كبير عن غرس جرثومة العداء الدينى والثقافى للعرب وللمسلمين في نفوس الأوربيين، وهى في تقديرنا أيضا مصدر من مصادر الإفراز المظلم للعقلية الأوربية فيما يتصل بموقفهم من الإسلام والقرآن، ومثل هذه الترجمات قد شكلت القاعدة التى انطلق منها الاستشراق والتنصير وهى سبب من الأسباب التى وطّأت الطريق للخارجين على الإسلام من القاديانية والبهائية وجرأتهم على أن يحرفوا في معانى القرآن لتلائم معتقداتهم الباطلة. ولهذا وقف علماؤنا ضد الترجمة على أى نحو كانت.
وينبغى أن يكون واضحا أنه لو بدأت الترجمة مبكرة للقرآن لأضر ذلك بالقرآن ضررا شديدا، ولصرف الناس عن تعلمه وفتح الطريق أمام الملحدين للطعن فيه وتحريف كلمه، ولأضر ذلك باللغة العربية أيما ضرر وعلى الرغم من هذه المخاطر كلها نقول ونكرر إن الترجمة خطر لا بدّ منه، وبخاصة في صد هذه الهجمات العلمانية الشرسة، ومواجهة الصراع اللغوى والحضارى والثقافى والدينى الحديث بتقنياته وآلياته المعقدة والتى تسيطر على عالمنا المعاصر، لا بد أن تكون لدينا ترجمات صحيحة لمعاني القرآن فشعوب العالم اليوم يدرس بعضها، ويتحسس بعضها أخبار بعض بصورة أوسع وربما ألذع وأفجع من ذى قبل، وليس من المعقول ولا من المقبول شرعا أن نضع القرآن في سياج أو جراب، وليس من السهل علينا أيضا منع أحد من ترجمته. فالحاجة إذن ماسّة إلى الترجمة
(1) محمد فريد وجدى. الأدلة العلمية على جواز ترجمة القرآن ص 10.