فالعرب لم يكونوا من أهل الجدل ولا من أهل الفلسفة والنظر، ولم تقم بينهم كذلك مدارس فكرية ولا مذاهب عقائدية، ولا تيارات سياسية، ولا خصومات عقلية مذهبية قائمة على البحث والتفكر والتقعيد والتنظير، والرد والمعارضة. ولقد استمر العرب على هذا الحال حتى جاء القرآن فأعاد صياغة العقلية العربية، ورأب صدعها، وعدّل اتجاهها، ووسع آفاقها، وجبر عجزها، وفتح أمامها عوالم جديدة، وأمدها بفيوضات من العلوم والآداب لم تكن تعرفها، ولا تصوّب النظر إليها، ولا تبلغها مطيها. لقد أوجد القرآن لنفسه المؤيدين له والمعارضين وبين التأييد والمعارضة، تتفتح أزهار الأفكار وتنطلق الآراء من أكمامها، وتتلاقح العقول وتفيض العلوم وتبرز المعارف. وتاريخ الفكر الإنساني كله لا يعدو أن يكون كذلك تاريخا للاحتكاك بين المؤيد والمعارض، بين المؤمن المسلم والجاحد الشاك، بين الباحث الوقاف على الحق والملحد المندفع إلى الإلحاد والكفر، مع اللجاجة إلى غير مدى وعلى غير هدى. القرآن هو مصدر علم الكلام الإسلامى ومركز عصبه وإذا رحنا نتلمس مصادر أخرى لهذا العلم المهم، والذى ولّد هو بدوره علوما أخرى مهمة كذلك، كنا كمن يبحث عن اللآلئ في رمال الصحراء وعن النخيل في قاع المحيط. القرآن هو أصل علم الكلام، وهو أيضا أهم موضوعاته فالمتكلمون قد أمعنوا فيما احتوى عليه القرآن من العقائد والنبوات، ومن الوحدانية والتّنزيه المطلق للذات، وصفات الله تعالى، والنبوة، وعصمة الأنبياء، والوحى، وطرق الخطاب الإلهى، والقضاء والقدر، والخير والشر، والجبر والاختيار، والكبائر والصغائر، والثواب والعقاب إلى آخر ما هنالك من الموضوعات التى جاء بها القرآن. لم يجد علماء الكلام مندوحة في أن يبحثوا في الأصل ذاته أعنى القرآن وذلك باعتبار تعلقه بصفة الكلام فاختلفوا لما نظروا، هل
لله صفات، وهل الصفات بمعنى الذات أم هى زائدة عليها وهل هى ملازمة أم مفارقة؟
وهل كلام الله قديم؟ وهل القرآن باعتباره كلام الله مخلوق أم غير مخلوق؟ وكان أول من قال = القرآن مخلوق = هو الجعد بن درهم، مؤدب مروان بن الحكم آخر خلفاء بنى أمية، وكان زنديقا فاحش الرأى قبيح اللسان، وصاحبه الجهم بن صفوان، وهو من الزنادقة أيضا، وقد أثارت آراؤه الفتنة بين المسلمين، في خلافة الرشيد، حتى قتله خالد القسري، بأمر هشام بن عبد الملك عام 118هـ ويرجع تاريخ القول بخلق القرآن أصلا إلى لبيد بن الأعصم اليهودى الذى كان يقول: = إن التوراة مخلوقة، فالقرآن كذلك مخلوق = [1] .
وأول من عرف بالقول بأن كلام الله تعالى قديم، هو عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم افترق أصحابه، فمنهم من قال كلام الله معنى واحدا قائما بذات الله تعالى، ومعنى القرآن كله وكتب الأنبياء السابقين هو ذلك المعنى الواحد الذى لا يتعدد ولا يتبعض وهذا كلام فاسد، لا يقوم عليه دليل نقلي أو عقلي إذا كان كلام الله واحدا كما يزعم الكافر، فكيف إذن صار بعضه توراة، والبعض الآخر صحفا وزبور ومزامير وإنجيلا وقرآنا؟ وكيف تنوع فيه الخطاب بين الأمر والنهى، والجواز والوجوب، والصلاة والزكاة والصوم والحج، والأفعال والصفات، وأوصاف الجنة والنار، والتقوى والنفاق، والكفر والإيمان، والزواج والطلاق، والمتعة والنفقة، والمدح والقدح، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، والقصة والمثال، والناسخ، والمحكم والمتشابه [2] . إن اعتقاد السلف في القرآن أنه كلام الله، وما يسمعه الناس بآذانهم، ويقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بأيديهم في قراطيسهم وبأحبارهم، وما بين اللوحين كلام الله تعالى، وكلام الله غير مخلوق.
والله سبحانه وتعالى يقول: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} (22) (البروج: 2221) . فرق الله تعالى بين القرآن واللوح، وهكذا فالقرطاس، واللوح الذى يكتب عليه القرآن، والمداد الذى يكتب به، كلها أدوات مخلوقة كائنة في زمان ومكان معينين. وكذلك صوت قارئ القرآن هو مخلوق، وصادر عنه من فمه وحنجرته ورئته.
ويتضح هذا من قول رسول الله = زينوا القرآن بأصواتكم =. فنسب الأصوات إلينا لا
(1) انظر مصطفى صادق الرافعى. إعجاز القرآن والبلاغة النبوية دار الفكر العربى 1926ص 143.
(2) انظر: الإمام بن تيمية. رسائل وفتاوى. ط. الرياض ص 3/ 28، 29.