الباب الثامن القرآن في حياة المسلمين وفكرهم [1]
يرى ويلش أن القرآن بالنسبة للمسلمين، يعتبر شيئا أبعد بكثير جدا من أن يكون مجرد كتاب مقدس، أو نص أدبي ديني، بالمفهوم الغربى المعتاد ولكننا مع هذا لا نوافقه البتّة على أن اهتمام المسلمين، بالقرآن جعلهم يكتفون بتناقله شفهيا فحسب طوال حياة النبى صلى الله عليه وسلم. فالقرآن بخلاف ما يدّعي هذا الكاتب كان يتناقل شفهيا وكتابيا بعناية وضبط بالغين. وقد سبق أن عرضنا لهذه الدعوى، وناقشناه وعارضناه فيها بالدليل الدامغ، وأثبتنا للقارئ بكل وضوح سلامة النص القرآنى من كل دخيل، واستحالة تحريفه بأي وجه من وجوه التحريف والتبديل فقد كان مكتوبا محفوظا في صدور المسلمين، كبارا وصغارا، نساء ورجالا، في حياته صلى الله عليه وسلم، ومحفوظا عمليّا كذلك في أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وأخلاق أصحابه الأولين الذين كانوا قرآنيين سمتا وسلوكا فقد اهتموا بالقرآن، وجعلوا فيه وجدهم ووكدهم، وضبطوا حياتهم على أحكامه، وترنموا به ليلهم ونهارهم، قرءوه مرارا في صلواتهم وعباداتهم، وتلوه سرا وجهرا في جماعة أو مع أنفسهم، وحكّموه في قضاياهم، وفى خصوماتهم، ومناكحهم، وجنائزهم، وتعليمهم، ومدارستهم، ومحاوراتهم وقدموا في كل ما كتبوه دليل القرآن على دليل العقل وينبغى أن يكون معلوما أن كون الصحابة تلقوا القرآن واهتموا به وحفظوه لا يعنى مطلقا أن القرآن لم يكن مكتوبا ولا مجموعا في الصحف هذا ما لا يتصوره عاقل.
إن جميع المنافذ إلى الطعن في جمع القرآن مسدودة في وجه الكاتب، وفى وجه المستشرقين والمستغربين من المسلمين وقد أثبتنا أن المصحف كان مكتوبا على صحف، وأباطى، وعظام، وجلود، وجريد نخل، وعلى الأحجار المستدقة المستطيلة، وغيرها، في حياة النبى صلى الله عليه وسلم ثم نقل إلى الصحف في عهد أبى بكر، ثم ضبطت الكتابة والقراءة على مثال قراءته صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة في مصحف عثمان هذا من المقرر الثابت.
(1) هذا الموضوع لا يحتمل التقسيم إلى فصول كالأبواب السابقة، نظرا لوحدة موضوعه.