متحفظا من استنهاض همم فصحائهم مع أن العرب أهل تحدّ وعصبية، فلم يعارض القرآن أحد منهم، ولو عارض هذا الكتاب معارض لنقل إلينا كما نقل القرآن نفسه، وكما نقلت مواقف الكفار وأقوالهم ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كما نقل إلينا كلام مسيلمة والأسود العنسى وطليحة مع ركاكته وسخافته، وقصوره البالغ عن مواجهة القرآن فضلا عن معارضته، ولا يمكن أن يقال إن القادرين على المعارضة من العرب كانوا قد امتنعوا منها خوفا على أنفسهم من بطش محمد وأتباعه، فإن العرب لم يكونوا يخافون أحدا أو يخفون عداءهم خوفا من أحد بل لقد واجهوا محمدا وطاردوه وعذبوا أتباعه وشردوا بهم كما لا يمكن أن يقال إن الذين كانوا أهلا لمعارضة القرآن قد تواطئوا مع محمد، فهذا افتراض ساقط لم يصل إلينا مثله، فإن العرب جميعا عامهم وخاصهم قد تواطئوا لا مع محمد صلى الله عليه وسلم بل ضده، ولم تجتمع العرب جميعا على شىء البتّة كما اجتمعوا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ومناهضته والطعن فيما جاء به عن الله. ولقد كان البلغاء والفصحاء العرب أكثر من أن يحصوا كالأعشى الكبير وهو من الطبقة الأولى ومثله ممن مات على كفره، وكعب بن زهير وهو في آخر العمر وهو في الطبقة الثانية وقد أسلم واتبع محمدا صلى الله عليه وسلم بعد عداوة لدود ولجاجة عنود ولقد كان لبيد والنابغة الجعدى من أهل الطبقة الثالثة، وقد أسلموا بعد زمن طويل، ولو تواطأ هؤلاء الأقربون مع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف بفصحاء العرب الآخرين المنبثين في الأنحاء المختلفة والأرجاء المتعددة بل كيف يتأتى ذلك من بلغاء اليهود وشعراء النصرانية المناوئين [1] .
ثم لأي شىء كان تواطؤهم، ألمال محمد الفقير؟ أم لقوته التى لم تكن لتحمى أصحابه المعذبين في مكة.؟ أم لأنهم وجدوا أن في القرآن ما أعجبهم وأطربهم وألزمهم الحجة وألجأهم إلى التسليم فسكتوا [2] وكتموا وهل يسمى ذلك تواطأ مع محمد أم تواطأ
(1) انظر: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى (388319هـ) بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن. دار المعارف 1956ص 35.
(2) فى ثنايا كلامنا تخللت عبارات من كلام الشيخ محمد بن الحسن الطبرسى ت: 460هـ النجف 1399هـ 1979م ص 269وما بعدها.