لقد نبهنا مرارا إلى أن ترتيب سور القرآن لم يكن اجتهاديا بل توقيفيا، لا دخل للعقل ولا للمنهجية البشرية فيه فللقرآن منهج ونسق خاصين به، بل إننى قد أغامر فأقول إن هذا الترتيب المعجز لسور القرآن يعتبر من قبيل المتشابه الذى يحتاج إلى إعمال الذهن للتوصل إلى العلاقات التى تجمع بين أجزاء القرآن من أوله إلى آخره والتى قد تبدو غير واضحة أحيانا. ليس في القرآن خلل البتّة ولا عوج ولا اختلاف أبدا لا في ترتيب السور ولا في ترتيب الآيات.
لقد تكلم علماؤنا في مناسبة الآيات والسور القرآنية، وأفرده جماعة منهم بالتأليف ربما كان من أولهم أبو جعفر بن الزبير شيخ أبى حيان الذى ألف كتابا سماه = البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن =، وللشيخ برهان الدين البقاعى السورى (ت: 885هـ / 1480م) ، كتاب بعنوان = نظم الدرر في تناسب الآى والسور = كذلك ألف السيوطى كتاب = تناسق الدرر في تناسب السور = وكما تكلم بعض المفسرين في موضوع ترتيب السور والآيات يقول الفخر الرازى عند تفسيره لسورة البقرة على سبيل المثال:
= ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة، وفى بدائع ترتيبها، علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه، وشرف معانيه، فهو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعل الذين قالوا: إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك، إلا أنى رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار، وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل:
والنّجم تستصغر الأبصار صورته ... والذّنب للطّرف لا للنّجم في الصّغر
ويعرّف السيوطي المناسبة بقوله هي في اللغة المشاكلة والمقاربة، ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينهما، عام أو خاص، عقلى أو حسى أو خيالى، أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهنى، كالسبب والمسبب والعلة والمعلول، والضدين، ونحوه =.
ويبين فائدتها بقوله إنها: = جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء = [1] .
أما الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقد اعترض على القول بوجود مناسبة بين سور القرآن وآية واعتبر البحث في ذلك تكلفا وذلك بحجة = أن ارتباط الكلام لا بدّ وأن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، والقرآن قد نزل في نيف وعشرين سنة، وفي أحكام مختلفة، شرعت لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربطه بعضه ببعض. = وقد رد الشيخ ولى الدين
(1) الإتقان ج 3ص 324323.