398/18 زاهدا في الفقه وما إليه، لا يبغي بغير الأدب والعربية وعلومها بديلا، فعليها يظل ويبيت، ويقطع الهواجر، ويطوي الليالي الطوال سهرا، ثم لما أقلع عن ذلك الوسط، وأقام في بلده، رأى ذلك العلم الذي أتقنه غاية الإتقان، لا ينفعه في مداخله الناس كالعالم ديني، وفقيه محترم، فرجع همته إلى الفقه وسدك ((1) ) بأبوابه بابًا بابًا، حتى صار عنده صنو الأدب إتقانا ولكن دهش حين رأى الناس أيضًا لا يبالون بذلك العلم ولا بمن أتقنه، وإنما يحومون حول من يماشيهم في أغراضهم من المتفقهة، وإن كان في مداركه من المسفين، فقال قولته المأثورة عنه: ( أتقنا الأدب والعربية، فقالوا ماذا تفيد تلك العلوم إن لم يكن معها فقه، وما العلم إلا الفقه، ثم أكببنا على الفقه حتى أتقناه، فإذا هم أيضا زاهدون فيه، فتعلمنا من وراء ذلك أن هذا الجيل أزهد الناس في كل علم أيا كان، فلا يغتر بهم إلا المافون الأخرق ) .
أما مصوغاته النثرية والشعرية، فإنها وما يصوغه أبو عبد الله بن الطاهر والبوزاكارني وداود الرسموكي وأبو العباس اليزيدي في قرن واحد، وقد أفعوعمت الدفاتر بما تطفح به مصوغاتهم، غير أننا لا نستحضر الآن من آثاره إلا ثلاثة لا غير، فلنعرضها مع إعلاننا أنه ربما كان وراء ذلك ما هو أعلى نفسا، لأننا كنا رأينا له قبل اليوم ما كان يخلبنا إذ ذاك من ذلك هذه البطاقة الصغيرة التي كتبها لصاحبه البوزاكارني وطلبة معه كانوا ظلوا في بيت طالب بالمدرسة ( التانكرتية ) يستدعيهم إليه عشاء ذلك اليوم:
( نجوم الأدب الذي لا تغرب، ومن حييت بهم لغة يعرب، بعد سلام ذكي، واحترام مسكي:
حسد القصر فيكم الزهراء *** ولعمري وعمركم ما أساء
قد طلعتم بها شموسا نهارا *** فأطلعوا عندنا بدورا مساء ((2) )
وأنا في الانتظار، فالبدار البدار ).
(1) سدك كفرح: لزم.
(2) البيتان أندلسيان، والقصر والزهراء في (قرطبة) .