ثم لما ضرب الدهر ضربته، ونفيت إلى مسقط الرأس ( إلغ ) مختتم 1355هـ، ومضت سنوات، وجاءت بوادر الفرج، وقد أبيح لي التجول في ربوع سوس 1361هـ جعلت في نيتي زيارة المترجم في ( رودانة ) ، فوصلت أمام داره، وكان إذ ذاك قد أعفى من القضاء، فلما أعلمه الخادم بحضوري خرج مسرعًا، وقال لي إثر السلام: الحمد لله، فهذه بشارة عظيمة، ولم يكن قد علم خبر الإفراج عني، وظل يسألني عن حالي ما شاء الله، ونحن معًا منفردان في قبة، فلم ألبث أن ملت به إلى ما كنت أهتم به من كتاب تاريخ حياته، فصرت أسأله وأكتب ما يجيب به، وأقيد ما ينشده، فتهلهل وجهه لذلك، وقال: جزيت خيرًا فإنك لا تزال على الهمة التي أعرفك عليها، ثم صار يمدني بكل ما كتبته عن نفسه وعن غيره، واقترح عليَّ أن أبقى عنده شهرًا على الأقل، قال: فقد وجدتني الآن كما أخرجني الله بلطفه من القضاء الذي كان يشغل أوقاتي، ويستأثر بحياتي، فلا بد أن تصبر معي لنسترجع بالمذاكرة ما عفت عليه السنون الكثيرة، فقد وجدتني اليوم مشتغلا بنفض الغبار عن كتب كثيرة، طال العهد بيني وبينها، فاعتذرت إليه، فلم يقبل العذر، ولم يفلتني إلا بعد أن أخذ مني الوعد بالرجوع إليه عن قريب، فوعدته بذلك في آخر الصيف، ولكن الله قضى ما شاء، فلم أكد أسير إليه في رحلتي التالية في شوال عام 1361هـ للوفاء بالوعد حتى نعي إليَّ وأنا في ( أدوز ) ، فكانت مصيبته عظيمة عليَّ، لأنه كان خزانة لتاريخ سوس وتقلبات أحواله، خصوصًا مع اعتنائه بالتقييد وتحرير الوفيات، وكانت له رحمه الله ذاكرة قوية يستحضر بها أوقات الوقائع، وكان في نيتي أن أقيد عنه كل ذلك، إلا أنه لم يقدر، والخير فيما اختاره الله.