13/18 لأضطجع في هذا القبر، لأرى كيف تكون رقدة القبور، فوضع عنه ما يثقله من ثيابه، ونزل إلى القبر واضطجع، فلما راءه سيدي عبد الله خرباش كذلك وقف على شفير القبر ومد يده إلى صدره وأقامه قائلًا: لا تستعجل فسيأتي اليوم الذي ستعرفها فيه معاينة ومباشرة.
وقد عرف كافة الناس تعطيله للأحكام في يوم الأربعاء، فلا يقصدون محكمته، وقد كان رحمه الله يفرح بهذا اليوم، لأنه يرتاح فيه ويتفسح، وربما كان رجوعه أيضًا على أعلى سور البلد، فيطوف بذلك على عدة أبواب من أعلى السور، فيرى داخل المدينة وخارجها، ولا شك أن ذلك لا تستطيبه إلا النفوس المتشبعة بالظرف واللطف، لما فيه من المناظر البهيجة الخلابة، ولكثرة شغفه بيوم الأربعاء. قال بعد تأخيره عن القضاء بيته المعروف:
* قد كنت أفرح دائمًا للأربعاء * واليوم أيامي جميعًا أربعا *
ومن أحواله الوقار ولزوم السكينة، لا يستفزه مستفز، وكأنه جبل راسخ، فتراه لا يكثر من الالتفات في مجلسه، ولا يعلي صوته، بل ليس له الصوت الذي يمكن أن يعلو، فهو هين لين، في أخلاقه وأحواله حتى في صوته، فلا يرتفع إلا بقدر ما يسمعه المقترب منه، ومحادثته متصلة الحلقات، خصوصًا إن وجد جليسًا موافقًا يُحسن الاستماع، وإذ ذاك يفيض بالنوادر والمستملحات كما ذكرنا، فمما حكاه لي في إحدى هذه الجلسات أنه كان مرة مع الأستاذ سيدي الحاج ياسين الواسخيني في مدرسة ( المولود ) ، وكان الأستاذ في محل يفصل فيه بين الخصوم، وكان المقراج يغلي، وكاد جمره ينطفئ، قال: فكتبت إليه هذا البيت الساذج:
* هلم إلى الغداء فهو مهيأ * وآخر مرا الأوباش فالجمر قد خبا *
فبادر الأستاذ وجاء وهو يقول بيتين آخرين مثل ذاك في السذاجة:
* غداء مريء والكؤوس ولا مرا * خصوم يكون الوجه منهم مقطبا *
* منى كل نفس لا ترى لحياتها * سوى أن يكون العيش عيشًا محببا *