الصفحة 7292 من 9223

31/17بمشاهدة معشوقه، ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق، ولم يلتفت إليه، فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور المعشوق شرك في العشق، ونقص فيه، فكذلك النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص. ولكن أحدهما أخف من الآخر، بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضًا أو حبًا، فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة لا يجتمع أيضًا بغض وحب في حالة واحدة، فالمشغول ببعض الدنيا غافل عن الله، كالمشغول بحبها، إلا أن المشغول بحبها غافل وهو في غفلته سالك في طريقة البعد. والمشغول ببغضها غافل وهو في غفلته سالك في طريق القرب. إذ يرجى له أن ينتهي حاله إلى أن تزول هذه الغفلة، وتتبدل بالشهود، فالكمال له مترقب، والشهود على ذلك مرتب، والمقصود: الانقطاع إلى الله عما سوى الله ظاهرًا وباطنًا، وحديث النفس في الباطن أشد ما يكون، وإنما يشتد كثيرًا على مَن تفرغ له، بأن قطع الشهوات الظاهرة، وآثر العزلة، وجلس للمراقبة والذكر والفكر فإن الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب، وهذا لا علاج له البتة إلا قطع العلائق كلها ظاهرًا وباطنًا، بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرفقاء والأصدقاء، وكل ذلك لا يكفي ما لم يكن لك مجال في الفكر، وسير بالباطن في ملكوت السموات والأرض وعجائب صنع الله تعالى، وسائر أبواب معرفة الله تعالى، حتى إذا استولى ذلك على قلبك، دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان التي فيه، فإن الفكر بالباطن هو الذي يستغرق القلب، دون الأوراد الظاهرة، ويبسط الفكر عن قطع العلائق مع صيرورة الهم همًا واحدًا كما مر، لأنه إذ ذاك يسلم لك أثر الأوقات، وفي تلك الأوقات يصفو لك القلب، ويتيسر لك الفكر، وينكشف لك من أسرار الله تعالى ما لم تقدر على عشر عشره في زمان طويل، لو كنت مشغول القلب بالعلائق، وترجى لك وراء هذا جذبة من جذبات الرحمن، فإنها توازي أعمال الثقلين، وليس ذلك باختيار العبد، نعم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت