الصفحة 7288 من 9223

أمضى المترجم ما بين 1285ه‍إلى نحو 1305ه‍فيما رأيت، انكماشًا على نفسه وعبادته، وتدريسًا لتلاميذه يملأ به نهاره، وسعيًا في الصلح بين المتخاصمين الذين يمثلون بين يديه لأنه كأبيه لا يحب إصدار الأحكام إلا قليلًا، وكان كلما سمع عن طريقة جديدة خطرت إذ ذاك في وادي أملن يرفع علمها شيخ من (إلغ) يعرض عن الإصاخة إلى المتحدثين عنها، ومتى سمع هيللة من أحد المعتنقين لتلك الطريقة يقول جهال وإن كانوا يجأرون بلا إله إلا الله، أو يقول: أتمنى لو أخنقه بيدي هاتين. لكن قد تحدث من بعد الأمور أمور، وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تفقد مرات تلميذه 28/17

29/17 إسماعيل بن أَحْمَد بن بلقاسم وهو أحد تلاميذه النجباء، فيجده يغيب عن المدرسة كل يوم خميس ويروح إليها يوم الجمعة، ولم يكن ذلك من عادته قبل فسأله يومًا عما يحمله على هذا التخلف المتتابع، فقال له: إنني أذهب كل يوم خميس إلى (إلغ) فأشهد حضرة ربانية أخلع بها كل ما ألتحف به من الغفلة بين الطلبة -فأجدني كأنما أسبح في بحر لجيّ من الأنوار، فأنسى كل لذة إلا لذتها، فقال له: يا سبحان الله، أ ويقع لك هذا أنت بنفسك؟ وقد كان عنده صدوقًا فقال: إن ذلك يقع لي كما أنكم تنطقون. فقال المترجم: كنت أحسب أن أمثال هذا قد انقطع اليوم، ولا نحس به تخيلًا إلا في الكتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت