( وعليكم السلام والرحمة والبركة، وبعد، فلا بأس ولله الحمد ولابد إن شاء الله أن تلزم هذا العام مكانك إلى أن يكمل المكان الآخر، ولا يمكن أن تفارقه بالكلية الآن واصبر على شرطك حتى تقبضه بالكلية وتدخل في الآخر، ولا تقل لأحد أردت الانتقال لا الآن ولا غيره ومتى أردت أن تقفل إلى المعدر، فخلف على الإقراء هذا الذي أرسلته سبطنا، فها هو يقرأ إن حضرت وإن لم تحضر يقرئ ويأكل معك وهو لائق والله أعلم ويصير خليفة لك فيه إن شاء الله حتى إن خرجت في الصيف في العام القابل إن شاء الله تقيمه فيه، والسلام ) .
ذلك ما ينويه الشيخ، غير أن صاحب الترجمة الذي لاقاه الأستاذ ملاقاة إجلال واحترام عازما أن يتخلى له عن إدارة دروس خاصة في مجلسه تنويها بقدره، ورفعا لذكره، واهتبالا بابن أخت شيخه وأن يدرس معه خاصة بعض دروس عليا في البيان والأصول ونحوهما، لم يألف في المدرسة البونعمانية 34/2
35/2 وحصل له ضيق نفساني، وذلك ( كما قال ) من أجل إن الطلبة كلهم جعلوه في المكانة التي جعله فيها الأستاذ، فلا يرى مؤنسا ولا يلاقي مجالسا، فحامت به عوادي الوحدة والغربة ثم إنه في ليلة ليلاء حانكة الجلباب واقفة النجم كأنما شدت بأمر أس من الكتان في آفاقها، سرى منسابا من غير أن يشعر به أحد إلى ما بين قرى بني جرار فطلع في ثنية ( أغيرملولن ) وحيدا ينهب الأرض مشيا ويطوي تلك الشعاب والأنجاد نزولا وطلوعا كأنما وراءه طلاب ثار يسومونه التي بين جنبيه، فلم يتنفس في نفس النهار حتى راح إلى إلغ.
تفقده الأستاذ صباحا تفقد خائف أن يعروه ما يزعجه إلى ما لا يحبه شيخه فوالى البحث حتى أعوزته الطلبة، فأرسل رسولا إلى إلغ يعلم الشيخ، فجاءه الجواب بأنه وصل في يومه وأمره بأن يرسل ثيابه التي غادرها هناك.