كان رحمه الله ممن حببت إليه العبادة والإنزواء عن الناس ما لم يتداخل في خصومة حول ملك من أملاكه، فإنه حينئذ يهاجم ويدافع بكل مايقدر عليه حتى اشتهر في هذا الميدان بأنه صخر جاس لا يلين لماضغ ثم هو في ذلك لايحترم أحدا في ميدان هذا الدفاع ويرى الحق فوق كل ذي وجاهة، وقد أخبرت أنه 15/2
ربما قاوم الأستاذ الجليل سيدي علي بن عبد الله حول شيء من ذلك حتى ينظرإليه الأستاذ شزرا، ولكن لسلامة الصدور سرعان ما يلتئم ما بينهما وكان الأستاذ سيدي الطاهر الإفراني كثيرا ما يوصي صاحب الترجمة بأن لا يقف أمثال هذه المواقف أمام الأستاذ ابن عبد الله وكان هو أيضًا كثيرا ما يذكر مكانة الأستاذ ولكن إذا احتدم الغضب وانتشبت البراثن، يفلت زمام عواطفه من يده، هذا كل ما يعرف عنه فيه مثل هذا، وأما سوى ذلك فإنه في واد والناس في واد آخر، وحكي عنه أنه لم يملك في داره بندقية قط مع أن المرابطين كلهم قد أولعوا بها للدفاع عن أنفسهم، وإن كانوا لا يجدون بها ولا يغنون فالمرابطي متى فارق عكازته وسبحته أو كتابه إن كان أهل الكتاب، فقد ورط نفسه فيما لا يعاونه عليه قلبه المائع بين العفاريت النفاريت من المجاطيين والبعقيليين والحربيليين الذين لايحسبون لمرابطي إلغ حسابا وإن تسلح بكل سلاح الدنيا فإن احترموا منهم من احترموا فإنما احترموا عكازتة وسبحته، أو كتابه ومكانته في الدين فما تجدي حينئذ بندقية المرابط التي لا يحسبها أحد من هؤلاء إلا كالمغزل في يد الغزالة
خلق الله للحروب رجالا *** ورجالا لقصعة من ثريد
فكان هذا هو الذي رآه الحاج بلقاسم فتنكب تملك السلاح فقد أخبرت أنه وقعت يوما هيعة في إلغ فتسلح مغاوير المرابطين فأقبلوا يشتدون نحو الهيعة كأنهم أمثال القائل:
كنا إذ ما أتانا صارخ فزع *** كان الجواب له قرع الظنابيب ((1) )
(1) 5 ـ الظنبوب: أعلى الساق وذلك كناية عن تشمير الثياب عن السوق للإسراع إلى الإغاثة