هكذا انقضت حياة هذا العالم الجليل، وهكذا طويت صفحة هذا الأستاذ العلامة الأديب المفتي القاضي المدرس الرئيس الكريم طيا لا انتشار له في هذا العالم وذلك في بهرة حلقة هؤلاء العلماء والطلبة الذين أمضى معهم كل عمره، ثم هيء لسفرته الأخيرة، فصلى عليه شيخنا الإفراني في نحو سبعمائة من جيران إلغ فدفن إلى جانب أبيه وأخيه الأستاذ سيدي محمد في وسط القبة التي تتداعى أركانها كأن تداعيها من هيبة هؤلاء الأساتذة العظام، الذين لا تتسع لحضراتهم أركانها.
377/1 مراثيه:
عظمت المصيبة بموت الأستاذ، ورزىء أهله وتلاميذه منه برزء وقع عليهم بفجيعته الهائلة قال ابنه سيدي محمد بن علي: فمرت شهور ولم تظهر مرثية له كأن إلغ الأدبية غير إلغ, بل كأن الأرض بدلت غير الأرض, أو كأن الوفاء الذي تدل عليه المراثي عاد بلقعا يبابا ينعق فيه البوم، فنبهت الأستاذ الأديب الطاهر الإفراني بلبل الشعر الصداح، وصدى الأدب الذي لا يكاد يفرغ من قصيدة إلغية، حتى تفتتح أخرى، فقلت له: ما هذا السكوت؟ وهل يمضي الأستاذ الوالد بلا مرثية؟ قال: فأجابني بأن ما يقال له في هذا الموضوع يقال لكل أديب إلغي, ثم كان ذلك سببا على أن ألقى الأستاذ الإفراني هذه القصيدة الرائية الآتية, كما قال أيضا في الموضوع الأديب الكثيري، ثم بعد ذلك قفاهما قاضي أقا سيدي محمد الهاشمي الفاسي بقطعتين, هذا كل ما كان حظ هذا الأستاذ من المراثي، مع أنه كان يليق أن تتبعه عشرات من قصائد طنانة إلغية، ولكن تأبى حرفة الأدب إلا أن تدرك صاحبها في الحياة إن لم تجد منعة من همة فولاذية كهمة الأستاذ، أو بعد الوفاة وقد انطوت تلك الهمة الحفازة وقل الوافون وكثرت الاعتذارات الواهية الباردة، قال الأستاذ الإفراني:
أمن حادث بكر جرى منه ما جرى *** جرى دمعك القاني فقرح محجرا
فبت بليل نابغي مسامرا *** كواكب عاقتها الدجى أن تسيرا
وضافك هم طارق نحر الأسى *** له كبدا حرى وقلبا تفطرا