هؤلاء من أمكن لنا أن نعرفهم اليوم، ولا بد أن يفلت من إحصائنا هذا بعض نجباء آخرين، ولكننا في الغالب قد استقصينا غاية الاستقصاء ثم انتخلنا النجباء من غيرهم على شرطنا الذي ذكرناه، فبقي بعد الانتخال في أيدينا بعد ذلك من رأيتهم أمامك الآن، ولا شك أن النجابة تتمطط إلى حيث يشاء الإنسان ولكننا توسعنا فيها، وأدرجنا في ضمنها ما يقصد اليوم بالثقافة العامة، فكل من يقدر أن يكتب ما في ضميره بأحسن عبارة، ويتلو ما كتبه غيره أقوم تلاوة وإن لم يكن ذلك المتفوق الزاخر، فإنه لا شك نجيب مثقف، وهذا ما جعلناه محور هؤلاء الدين انتخبناهم من مئات سواهم، فأدناهم من يقدر أن يعبر عما في ضميره باللغة العربية كتابة ونطقا بغير لحن كثير، وقد أشرف على الفنون التي أخذها وكانت له يد متمكنة في بعضها، وأما المتفوقون فهم الفطاحل العلماء الأجلة وهم في هؤلاء نحو الثلث، وسترى إن شاء الله وتمم مرادنا في ترجمة كل مقدار خطواته في الميدان، فانتظر فإنا معك منتظرون, ومن أفلتوا من هذه القائمة ثم عرفناهم بعد اليوم فسنضيفهم إلى إخوانهم يوم نصل الباب الذي يترجم فيه لكل واحد واحد والله الموفق.
الآن أيها القارئ أدركت بلا شك مقدار أستاذية صاحب الترجمة, فقد برهن لك ما تراه أمامك من المتخرجين تحت يده عن تلك المكانة السامية التي تنزلها أستاذيته، وتجول فيها تربيته، على أنك لا تدرك ذلك غاية الإدراك حتى تضع إن شاء الله بين عينيك حياة كل واحد من هؤلاء، فتكون إذن على حق اليقين فيما كنت فيه اليوم على علم اليقين (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) .
أيام الأستاذ الأخيرة:
كان للأستاذ تلك الحظوة العظيمة في علمه وفي رئاسته وفي قضائه في كل ما تمسه يده، فكان في مقام يغبط فيه، وفي منزلة تتطأطأ دونها الهامات, وقد انتشر له من التلاميذ من نشروا من محاسنه ومن مفاخره ما ترك ذكره كالكباء 372/1