يا حجاج، أكتم السر الذي بيني وبينك *** ((1) ) فالله يستر ما ظهر من اللجاج. 282/7
ثم أعلم أيها الأخ الكريم أن الود على ما كان عليه لا يريم، وأن ما ذكرته من الجواب ليس شافيا، ولا كان عندي كافيا، إذا يكفي في العلة التسليم من الود، لاسيما على من أضر به طول البعد، بل التسليم هو المقصود بالذات وغيره إن اقتضته الحاجة فإنما هو تبع، فسل كل من يخب في هذا الميدان ويضع، بل لا تسل فأنت بصيرة ذلك، والمستفتى فيما هنالك فلو قلت ربما كان السكوت عن الجواب جوابا، لكان ذلك صوابا، ويكفي في ذلك أن الله تعالى يقول ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ومثلك لا يطلب منه إلا الأحسن، فليت شعري هل بعد هذا من مقال، أو يكون فيه لجياد الطعن مجال، ثم إنه قد حان أن نثني القلم، فالقول للقول كمثل السلم، فاصفح عما ترى من الزجر، فإن مراجعتك عندي أحلى من الوصال بعد الهجر، وأيضا فقد أنكرت حلفك لتصحيح الوداد، في القرب أو في البعاد، وقد كان الحلف في مكانة من الأغراب، وإنما يستحلف المرتاب، وقد كنت أنت أول من عجمت عوده، ونشرت لحرابة الأعداء بنوده، وهذا الأمر ما حال، والحال مازال، ونفسي على كل حال بك فاخرة، فلله الحمد في الأولى والآخرة، على أن العتاب أحلى عندي من الشهد، ومن صال حب بغير وعد، فلقد أثمر لي والحمد لله غصن عتابي ثمر خطابك، وورود كتابك، فهل نعمة أعظم عندي من ذلك؟ وأما ما ذكرته من حال المدرسة، فأنا وأنت فيه سواء، فما المسئول بأعلم من السائل، بيد أن ما كان تسمع به، ولا يكون إلا الخير إن شاء الله، بل مكانك
(1) - خرج الحجاج ليصطاد يوما فانفرد عن موكبه، فلقى أعرابيا لا يعرفه فقال له كيف الحجاج فيكم، فأجابه الأعرابي بسبه ولعنه، فإذا بأصحاب الحجاج تلاحقوا به ينادونه بالأمير، فبادر الأعرابي فناداه: يا حجاج أكتم السر الذي بيني وبينك، فصدور الأحرار قبور الأسرار، فكان ذك هو السبب حتى نجا من بطشه.