الصفحة 3 من 9223

أمس كانت الحضارة الشرقية هي المعروفة وحدها عندنا بأذواقها وآدابها وألوانها وهدوئها واتساع ساحتها. وهي التي استطاعت أن تلتهم حضارة فارس وبيزانطة. ثم تبلورت في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة. ثم كان مغربنا هذا ممن له من إرث هذه الحضارة كنوز كاد يحافظ عليها وحده منذ أن انهارت الأندلس. واستولى التركيون على الشرق الأدنى كله ما عدا هذا القطر السعيد. الذي لم يعرف إلا الاستقلال منذ عرف الإسلام إلى الآن. فكان يعرف مقدار كنوزه هذه ويعتز بكل ما فيها من ألوان وأفكار وفلسفة وعلوم وآداب ومعمار.

أمس كانت عندنا تقاليد محترمة في اللباس وفي اختيار التأثيت وفي هيأة الجلوس وفي إقامة الحفلات وفي مزاولة الأعمال. فتكونت لنا هيأة اجتماعية توافقنا لأنها كانت متسلسلة عن الأجداد. لا يحس فيها بأنها تتغير في كل جيل، وإن كانت في الحقيقة لا بد أن يكون فيها تغير ما في كل جيلـ فكانت لها موازين خاصة مألوفة. إليها يتحاكم ذوو الأذواق والأفكار عند الاختلاف. فيتخذ حكمها مسمطا. وقانونها مرتكز في أعماق النفوس لا مسطر في الطروس. تلاءمت فيه مقتضيات حياتنا وديننا وعادات مجتمعنا تلاؤما تاما. دين العربية ولغة الدين. وعادات تكونت تحت نظرهما في قطر امتزج فيه العرب والبربر تمازج الماء القراح بالراح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت