الصفحة 2563 من 9223

(أما بعد، فهاك ولدي عبد الرحمان، كمل الله فيه رجاءنا ورجاءك، فاحفظه من الخروج مع الصبيان والكبار للسكك والديار والفدّادين، لا يخرج إلا لقضاء حاجة الإنسان، ولا يذهب به أحد للدار قريبًا أو بعيدًا إلا أن تذهب معه، ولا يقعد مع كبار الصبيان وغيرهم، وأدّبه بحسن الآداب من غض البصر، وقلة الكلام، وتقليل الشرب والأكل والضحك، ولا يرفع فيك العينين، ولا يكلمك إلا في استفتاء أو نحوه، ولا تَتْرك أحدًا أن يتكلم معه حتى ولدك، فمن أراد أن يعطيه شيئًا فليأت به إليك، ولا يأكل حتى يجوع، فإن إدخال الطعام على الطعام مضرّة عظيمة، والجوع أنفع من الطعام، ولا يكثر الشرب، ولا يشرب أثر الأكل حتى تمضي ساعة، ولا يذكر له أحد هذه البلاد فيشوش عقله، وعبِّس له وجهك، وأغلِظْ له كلامك، وخوّفه أول ما جاء حتى يخافك، ثم ارحمه، وابدأ لوحه من أول(البقرة) يكتب بيده بسرعة، وعلِّمه الكتابة، وكيف يقرأ بسرعة من غير ترديد الكلمات، فإذا محا لوحته قرأها، وبعد الكتابة، وبعد التصحيح، وعند القائلة (1) ، ولينم قليلًا قبل الظهر، وكلما رفع بصره عن لوحته لنظر أحد أو لاستماعه زجرتَه، ونبِّهْه من النعاس فإنه كثيره، وشد ميزرك لتؤدي حق تلاميذ أهل البلدة، فلا يشغلنك عنهم ولدي، وانههم عن الكذب والحلف إلا إن شاء الله، ولا يأكل ولا يشرب حتى يسمي، ويحمد آخره، ويسمي عند الرقود، وعند الدخول والخروج، ويفتتح القرآن بما كان يقوله أولًا، فما علمت فيه الحرام أو الشبهة فلا تدعه يأكله، فإن كل لحم نبت بالحرام فالنار أولى به، ولا يعلم منك الرأفة والحنان، وأخفها عنه، فقد قال ابن عطاء الله: (رب لطمة خير من لقمة) ، ولا تتركه يتكبر ويتعدى على الصبيان حتى بالكلام، فإنما أردناه للمسكنة والصلاح، فالله يربحك منه ومنا، ويرزقك وإياه ما تتمنى في دار الدنيا والآخرة، ولا تبعثه إلينا حتى ترى كلامي، فإن

(1) وهذه هي العادة التي وجدنا عليها المدررين مع تلاميذهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت