فأجثم فوق الركبتين كأنني *** ربيئة قوم جاثم في المراقب (1)
أقيد عن ذاك الشوارد تارة *** وألقي لذا طورا ببحث مجاذب
فيوردني الأشباخ بحرا غطمطما *** أغوص به حتى تغشى ذوائبي
ويجلون أبصاري بفكر كأنه *** صباح تجلى من سجوف الغياهب (2)
فأبصرت نورا مشرقا متلألئا *** تنظم منه جزعها يد ثاقب (3)
فأبت بحمد الله في حالة إذا *** تنقصتها أثنت عليها حقائبي (4)
عرفت قبيلي من دبيري بها ومن *** درى حالتيه لا يحر في المذاهب
وصممت أن أقضي الحياة جميعها *** وأني بعيد عن دنايا المشاغب (5)
لعلمي أن المرء حيث توقفت *** به النفس في آرائه والمذاهب
وأن نفيس العمر خير ذخيرة *** تصان عن اطماع الحياة النواهب
فملت إلى درس المعارف معرضا *** عن العرض الفاني الممر العواقب (6)
فأقصر همي كله حول نشرها *** أصيره غايات كل مطالبي
بمراكش الحمراء حيث الغريب لا *** يحس بأن قد حل بين الأجانب
كأن كان عن جداته وصحابه *** وأترابه في مهده غير عازب
ينال من التبجيل ذكرا كأنه *** زهور نمت بين الصبا والمذانب (7)
ويضفون أثواب التجلات فوقه *** إلى أن ترى رجلاه فوق المناكب
ويؤثر بالشيء النفيس لديهم *** ويشكر إن يقبله من يد واهب
فمن تره منهم تر البشر نيرا *** عليه كأنوار النجوم الثواقب
كأن قطوب الوجه لا يعرفونه *** فلست ترى من بينهم أي قاطب
(1) المرقبة المحل الذي يراقب منه العدو ومثله. والربيئة: الطليعة للجيش أو للرفقة.
(2) السجف: الستار
(3) تلميح لقول ابن الطمحان:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم *** دجا الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
(4) تلميح لقول الشاعر:
يمرون بالدهنا خفافا عيابهم *** ويرجعن من دارين بجر الحقائب
(5) يعني بالمشاغب: مشاغب التجارة كما يرى عند بعض السوسيين.
(6) إنما عبر هذا البيت عن أن كثيرين من السوسيين إنما يتغربون اليوم في العرض الفاني لا في المعارف. وأمر الشيء ومر. إذا كان مرا غير حلو
(7) المذانب: الجداول.