الملك، وبها الكمان وهما الميمنة والميسرة لخواصه وخزائنه، فاشتهر واتبعه الناس فيه ولم يكونوا يعرفونه من قبل 1 وكآيات الصناعة المدهشة الباقية إلى اليوم في قصر الحمراء بغرناطة، وهو الذى شهد الإفرنج أنفسهم بأنه في هندسته ونقوشه مبتدع على غير مثال سابق وقد حفظت لنا التواريخ الكثير الطيب من وصف قصورهم الفخمة وصروحهم الشاهقة 2 وما كان لهم فيها من إحكام الوضع وتشييد البنيان وتنميق الزخرف، كما حفظت لنا طائفة صالحة من أعمالهم في غير هذا الفرع - كشق الأنهار وعقد القناطر وإجراء الماء إلى المدن من المسافات الشاسعة، واتخاذهم له المصانع العجيبة 3 وكاجرائه في أنابيب بالطرق لتوزيعه وإصعاده إلى أعالى الدور كما فعلوه بحلب وحمص وطرابلس 4 وغير ذلك مما سطره الخبر وشهد به الأثر. بل حسبهم فضلا أن أهل مقاطعة بلنسية بالأندلس مازال معولهم إلى اليوم في أنهارهم على ما وضعه العرب من النظام المحكم لتوزيع الماء، حتى قال بعض منصفيهم: «لو لا ما أقامه لنا العرب من القناطر والجسور لمتنا وماتت أراضينا ظمأ» .
فهذه أمثلة يسيرة نكتفى بإيرادها في دفع تلك الفرية، ولو شئنا تعداد سائر أعمالهم الهندسية لجرنا القول إلى ما لا يتسع المجال لاستقصائه. أما الذين يستدلون على ذلك القصور المزعوم بإهمال المؤرخين لتراجم ذوى الفنون كالمهندسين وأضرابهم مع عنايتهم بتراجم غيرهم من العلماء فلا نكلفهم فيه عناء النظر في أخبار المصنّفين وما يصنّفوه بعد أن كفانا السخاوىّ المؤونة بعقده فصلا في «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» خصه بأنواع ما ألف في أخبار
1)انظر تفصل ذلك في خلافة المتوكل من مروج الذهب للمسعودى.
2)ذكر المقريزى في خططه: أن مساكن الفسطاس كانت على خمس طبقات وست وسبع. أما وصف القصور المشهورة فمفرق بين هذه الخطط و «نفح الطيب» و «معجم البلدان» لياقوت وغيرها.
3)عن الدور الكامنة وغيره.
4)عن إرشاد الأريب لياقون والدر المنتخب. وفيهما تفصيل ذلك.