والقول الجامع في حال النفس عند الدعاء ، أن تكون غارقة الشعور بالعجز والافتقار إلى الرب القدير الرحيم ، الذي بيده ملكوت كل شيء ، يُصرِّف الأسباب ، ويعطي بحساب وبغير حساب ، فإن دعاء الرب الكريم بهذا الشعور ، يقوي أمل النفس؛ ويحول بينها وبين اليأس عند تقطع الأسباب، والجهل بوسائل النجاح ، ولو لم يكن للدعاء فائدة إلا هذه لكفت ، فكيف وهو مخ العبادة ولبابها ، وإجابته مرجوة بعد استكمال شروطه وآدابه: وأولها عدم الاعتداء فيه ، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه ، كانت بما يعلم الله أنه خير له منه ، ولا أرى بأسًا بأن أقول غير مبال بإنكار المحرومين: إنني قلما دعوت الله دعاء خفيًا ، شرعيًا ، رغبة ورهبة فلم أُجب فيه ، أو لم يظهر لي ـ ولو بعد حين ـ أن عدم الإجابة كان خيرًا منها .
سادسًا: قال الله تعالى: { أُوْلَئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } . ... « الإسراء 57 »
1ـ قال ابن كثير في تفسيره ـ رحمه الله ـ:
وقوله تعالى: { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } :
لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء:
فبالخوف ينكفُّ عن المناهي ، وبالرجاء يُكثر من الطاعات .
وقال الله تعالى: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } . ... « الإسراء 57 »
أي: ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله ، عياذًا بالله .
2ـ وقال السعدي ـ رحمه الله ـ:
{ أُوْلَئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ } : من الأنبياء والصالحين والملائكة .
{ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } :
أي: يتنافسون في القرب من ربهم ، ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة ، المقربة إلى الله تعالى وإلى رحمته ، ويخافون عذابه ، فيجتنبون كل ما يوصلهم إليه .