ومن ثم فلم التزلف والتملق للخلق؟ ولم يمحو الناس شخصياتهم فيذوبون في غيرهم ذلالهم وخضوعًا؟ ولم يتقربون إليهم بكافة الوسائل حتى غير المشروعة في صغار ومسكنة؟ لم كل هذا وهم لا يملكون لهم عطاء ولا منعًا؟ لو أنهم آمنوا أن العطاء والمنع بيد الله تعالى وحده، لعزت نفوسهم، وارتفعت أقدارهم، وعاملوا غيرهم على أن أنهم مثلهم عبيد لله يعطيهم الله تعالى حين يشاء، ويمنع عنهم عطاءه حين يشاء. ولرأينا تغيرًا بينا في سلوك الناس ومعاملاتهم بعضهم لبعض.
إنك لا تدخل الآن هيئة ولا مؤسسة حكومية أو غير حكومية في أي بلد- إلا من رحم الله وأعز بتطبيق شريعته - إلا وتجد المرؤوسين أقزامًا أذلاء فزعين هلعين لدى رئيسهم، تعرف في وجوههم ذل الانكسار، وهوان الاستسلام، وكأن حبلًا لف حول أعناقهم يجرهم به كما يهوى رئيسهم في أي لحظة من ليل أو نهار.
إن المسلم الموحد بعزة الله - لتوحيده بعزته، فلا يهاب أحدًا من الخلق فيتملقه رغبة عطاء أو خشية منع، إذ قد آمن بأنه لا معطى لما منع الله، ولا مانع لما أعطى الله رب العالمين.