الإمام عبد الرحمن بن الجوزي
مثال الطالب المكافح والداعية الناجح
لفضيلة الدكتور جمعة علي الخولي
كلية الدعوة وأصول الدين
من رجالات الدعوة في القرن السادس الهجري عالم العراق الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن الجوزي، ولد سنة 510هـ وتوفي سنة 597هـ.
أمضى عبد الرحمن هذا طفولته يتيمًا حيث توفي أبوه وله من العمر ثلاث سنين، وبعد وفاة أبيه أهملته أمه وانصرفت عنه، وتركته لعمته التي منتحته كل عطفها ورعايتها وكانت خير عوض عن فقده لرعاية أبيه أو عطف أمه عليه، بل لقد كان لحدب هذه العمة على ابن أخيها دخلٌ كبير فيما صار إليه ابن الجوزي فيما بعد عالمًا مرموقًا وإمامًا مشهورًا، فهي التي سهرت على خدمته وتعليمه.
ومن يدري، فلعله لو قدر وعاش أبوه لتغيرت حياته تبعًا لظروف عمل الأسرة فلقد كان أبوه وأهله تجارًا بالنحاس لم يشتغل أحد منهم بالعلم وغيره [1] .
ولقد صرح ابن الجوزي في مواضع من كتابه (صيد الخاطر) بأن أباه توفي وهو صغير وكان نوسرًا وخلف له من الأموال الشيء الكثير، ولهذا نرى أنه يكثر الكلام على نفسه في أكثر من كتاب فيبين أنه نشأ في النعيم، وربي على الدلال، ولأنه قد حبب إليه العلم من زمن الطفولة، ولم يرغب في فن واحد بل رغب في كل فن من فنونه [2] .
إلا أن هذه الظروف من تيسُّر المورد والبسطة في الرزق وسعة الحياة لم تدم طويلًا، فرغم أن أباه قد أورثه مالًا كثيرًا كان يتيح له أن يعيش هذه العيشة الناعمة لو أن الذين تولوا تربيته ورعايته في طفولته قاموا بما يحقق العدل ويحفظ له ماله حتى يبلغ رشده.
إلا أن أمه - كما ذكرنا - أهملته وتركته لعمته، وبدد الورثة ماله ولم يعطوه إلا عشرين دينارًا ودارين، وقالوا له هذا نصيبك من إرث أبيك، فاشترى بذلك كتبًا [3] .