وانطلاقًا من مبدأ: (ما لا يُدرك كله، لا يترك جله) فإنا نشرح هذه الآية الكريمة العظيمة شرحًا سنراعي فيه مستويات القراءة الثقافية العلمية المختلفة, وذلك عذرنا لذوي المستوى العلمي العالي؛ إذ هبطنا بالتعبير ليقرب من متناول ذوي العلم الضحل القليل، كما هو عذرنا لقليلي العلم والمعرفة إذا رفعنا العبارة إلى مستوى ما فوق السقوط والهبوط رَبْأً بالكلمات والمعاني من الإهمال والابتذال.
وتيسيرًا للفهم، وإمتاعًا للعقل فإنا ننهج في شرح هذه الآية الكريمة نهج التحليل التقسيمي فنشرح ألفاظها أولاًّ، ثم جملها وتراكيبها ثانيًا، ثم نسترج أحكامها الشرعية الحاوية لها، ثم نبرز مظاهر هدايتها الكامنة فيها، وبذلك يتم تحليل هذه الآية وشرحها المطلوب لها، والله المستعان، وعليه وحده التكلان..
أ - ألفاظها ومفرداتها:
{شَهْرُ} الشهر: الوقت المعين أو المدة المحدودة من الزمن وهو تسعة وعشرون يومًا، أو ثلاثون ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو في السنن والصحاح.
وقيل في هذه الفترة من الزمن شهر، لشهرتها بين الناس، وذلك لتعلق مصالحهم الدينية والدنيوية بها، إذ العقول لا بد لها من آجال ترتبط بها، ولا تعرف إلا بها.
{رَمَضَانَ} اختلف في هذا اللفظ (رمضان) هل هو اسم جامد مرتجل، أو هو اسم مشتق؟ وإن كان مشتقًا فهل هو من الرمض الذي هو مطر ينزل أول الخريف، سمي به هذا الشهر، لأنه يغسل ذنوب أهله الصائمين له القائمين فيه المعظمين لحرمته؟ أو هو من الرمضاء التي هي شدة الحر المحرق, سمي بها هذا الشهر لأنه محرق ذنوب التائبين فيه ويطهرهم منها كما يطهر الجلد الدباغ؟.
وإن كان اسمًا جامدًا غير مشتق فهل هو اسم من أسماء الله تعالى لإضافة الشهر إليه في أكثر التعابير الشرعية, ومن ذلك هذه الآية {شَهْرُ رَمَضَانَ} .