ورضي أبرهة عن هذه النتائج أيما رضا إذا وفرت عليه الوقت والجهد والدماء، ولم يخامره شك في أنه أوفى على بلوغ مأربه عندما أنزله أبو رغال بالقرب من مكة. وقد طمع أن يظفر من قريش بمثل ما ظفر من ثقيف وغيرها، بتسليم كلي ليبلغ ما أراد من تهديم الكعبة برضا من أهل الحرم على مشهد من العرب وعلى أسمع العالم وبصره ليدعي هوان أمره على أهله، إمعانا في الامتهان لسكانه والمهانة لحجاجه وقاصديه. وانطلاقا من هذا القصد أرسل دورية تأديبية هجمت على أموال لقريش فساقته إلى المعسكر، ثم بعث رسولًا إلى قريش يطلب إليهم أن يرسلوا إليه بسيدهم لمباحثته. فوجهت إليه بسيدها عبد المطلب بن عبد مناف بن هاشم، شيخ وقور مهيب جاوز المئة من عمره، جرب الأيام وجربته فطن يضع القول مواضعه مخلص للبيت ولرب البيت، فسلك أبرهة مسلكًا لإرهابه وإدخال الوهن على نفسه ليسهل فرض رغباته وطلباته عليه، فأعوز إلى رجاله أن يطوفوا بعبد المطلب على الأسرى من أسياد العرب وملوكهم، فأدخل على ذي نفر وكان في حديد، ورأى نفيلًا الحنفي وآخرين مقهورين على أمرهم يقومون بخدمة أبرهة ورجاله، فحزت المرارة في نفسه إذ رأى رجالات العرب قد هزموا نفسيًا وعسكريًا. وعرف عبد المطلب أنه مقبل على معركتين مع أبرهة؛ نفسية وعسكرية. وأيقن أن الثانية لا نفع في خوضها فرغب عنها غير مستسلم وأما الأولى فصمم على الثبات فيها. ولما أذن له بالدخول على أبرهة دخل ميدان الحرب النفسية ونظر أبرهة في وجه عبد المطلب بحثًا عن معاني الخوف والفرق والتخاذل فلم يجد شيئًا ووجد مهابة وصرامة وحفاظًا. وفرضت شخصية الشيخ المهيب الثابت الوقور نفسها على الغازي فانحط عن عرشه وجلس على البساط وأجلس سفير قريش وسيدها إلى جانبه، لعل اللين والتواضع أجدى إذ لم ينفع التخويف والترهيب.