وفي الآية دليلان من دلائل النبوة، أولهما: إخبار الله له بحفظه - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان.
قال الماوردي:"فمن معجزاتِه: عصمتُه من أعدائه، وهم الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير، وهم على أتم حَنَقٍ عليه، وأشدُّ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسلٌ قاهر، ولهم مخالطٌ ومكاثر، ترمُقُه أبصارُهم شزرًا، وترتد عنه أيديهم ذُعرًا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرًا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليمًا، لم يكْلَم في نفسٍ ولا جسد، وما كان ذاك إلا بعصمةٍ إلهيةٍ وعدَه اللهُ تعالى بها فحققها، حيث يقول: {والله يعصمك من الناس} فعَصَمَه منهم". [1]
والدليل الآخرُ في الآية من دلائل النبوة، يظهر لمن عرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مقصودًا بالقتل من أعدائه، فكان الصحابة يحرُسونه خوفًا عليه، فلما نزلت الآية صرفهم عن حراسته، ليقينه بما أنزل الله إليه، ولو كان دعيًا لما غرر بنفسه، ولما عرَّض نفسَه للسوء.
وقد صدق المستشرق بارتلمي هيلر في قوله:"لما وعد الله رسوله بالحفظ بقوله: {والله يعصمك من الناس} ، صرف النبي حراسه، والمرء لا يكذب على نفسه، فلو كان لهذا القرآن مصدر غير السماء لأبقى محمد على حراسته". [2]
قال ابن تيمية مستدلًا لنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأييد الله لنبيه وحفظه له ونصره لدينه:"وقد أيده تأييدًا لا يؤيد به إلا الأنبياء، بل لم يؤيَد أحدٌ من الأنبياء كما أُيِّد به، كما أنه بُعث بأفضل الكتب إلى أفضل الأمم بأفضل الشرائع، وجعله سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعرف قط أحد ادعى النبوة وهو كاذب؛ إلا قطع الله دابره وأذله وأظهر كذبه وفجوره."
وكل من أيده الله من المدعين للنبوة لم يكن إلا صادقًا، كما أيد نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان، بل وأيد شعيبًا وهودًا وصالحًا، فإن سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وهذا هو الواقع، فمن كان لا يعلم ما يفعله الله إلا بالعادة، فهذه عادة الله وسنته يعرف بها ما يصنع، ومن كان يعلم ذلك بمقتضى حكمته؛ فإنه يعلم أنه لا يؤيد من ادعى النبوة وكذب عليه". [3] "
(1) أعلام النبوة (127) .
(2) ربحت محمدًا ولم أخسر المسيح، عبد المعطي الدلالاتي ص (108) .
(3) الجواب الصحيح (1/ 410) .