فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 153

فقال له عليه الصلاة والسلام: (( يوشك يا معاذ - إن طالت بك حياة - أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا ) ). [1]

وفي هذا الخبر دليلان من دلائل النبوة: أولهما: تفجر العين ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآخر: إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بما نراه اليوم من وفرة المياه واتساع الرقعة الخضراء في منطقة تبوك.

وبعض بركة النبي - صلى الله عليه وسلم - استمر دهرًا طويلًا بعد وفاته، ومن ذلك ما ترويه عائشة رضي الله عنها بقولها: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطرُ شعيرٍ في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ، فكِلْتُه ففني. [2]

ومثل هذا الخبر يحكيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفَهما حتى كاله، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال عليه الصلاة والسلام: لو لم تكِلْه لأكلتم منه، ولقام لكم. [3]

وروى مسلم أيضًا مثلَ هذا الخبر في قصة أم مالك، وكانت تهدي سمنًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - في عُكّة لها، فيأتيها بَنوها، فيسألون الأُدْم [أي ما يؤتدَم به الخبز، وهو ما يسمى في أيامنا إدامًا] ، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أُدْمَ بيتِها حتى عصرَته، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( عصرتيها؟ ) )قالت: نعم قال: (( لو تركتيها ما زال قائمًا ) ). [4]

قال النووي:"قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لو تركتيها ما زال قائمًا ) )أي موجودًا حاضرًا".

ثم بيّنَ رحمه الله سبب فناء سمنِ العُكّة والشعير حين عُصِرت أو كِيل، فقال:"الحكمة في ذلك أن عصرَها وكَيْلَه مضادةٌ للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى, ويتضمن التدبيرَ, والأخذَ بالحول والقوة, وتكلُفَ الإحاطةِ بأسرار حِكم الله تعالى وفضله , فعوقب"

(1) رواه مسلم ح (706) .

(2) رواه البخاري ح (3097) ، ومسلم ح (2973) .

(3) رواه مسلم ح (2281) .

(4) رواه مسلم ح (2380) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت