فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 153

وثمة ميزان آخر للفتنة، إنه عمار بن ياسر، رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند بناء مسجده - صلى الله عليه وسلم - يحمل لبِنَتين لبنتين، فيما كان الصحابة يحملون لبِنة لبِنة، فجعل - صلى الله عليه وسلم - ينفض التراب عنه، ويقول: (( ويح عمار، تقتلُه الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار ) )، قال أبو سعيد: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. [1]

قال النووي في شرحه للحديث:"وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أوجه: منها أن عمارًا يموت قتيلًا, وأنه يقتله مسلمون, وأنهم بُغاةٌ, وأن الصحابة يقاتِلون, وأنهم يكونون فِرقتين: باغية, وغيرها, وكل هذا قد وقع مثل فلق الصبح, صلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى". [2]

وقال ابن عبد البر:"وتواترت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( تقتل عمارَ الفئةُ الباغية ) )، وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وهو من أصح الأحاديث". [3]

وقد قتِل عمارُ في جيش عليٍّ سنة سبع وثلاثين للهجرة النبوية، فكان دليلًا آخر على صحة موقف أبي الحسن علي - رضي الله عنه -، وهو أيضًا دليل على صحة نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وإلا فمن ذا الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يقع بعد وفاته من تمايز المسلمين إلى فئتين، وأن الباغية منهما تقتل عمارًا؟ لا ريب أنه وحي الله الذي يعلم السر وأخفى.

ومما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخبار الفتن إخباره عن خروج إحدى أزواجه على جمل، وأنه يقتل حولها كثير من المسلمين، فعن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أيتُكنَّ صاحبة الجمل الأدبب [أي كثير وبر الوجه] ، يقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت ) ). [4]

(1) رواه البخاري ح (428) ، ومسلم ح (5192) واللفظ للبخاري.

(2) شرح النووي على صحيح مسلم (8/ 40) .

(3) الاستيعاب (2/ 481) .

(4) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ح (37785) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد:"رواه البزار ورجاله ثقات" (7/ 474) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت