أما قريش فلم تستسلم، ولم تفتر عزيمتُها في محاولة قتلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - والنيلِ منه، فأرسلوا إلى قبائل العرب يضعون لهم الجوائز إن همُ قتلوا النبيَ - صلى الله عليه وسلم - وصاحبَه، لكنهما كانا يسيران في حفظ الله ورعايته.
وجاز النبي قُديدًا، فأدركه سراقة بن مالك، يقول الصديق - رضي الله عنه: وتبِعنا سراقة بن مالك، ونحن في جَلَدٍ من الأرض [أي في أرض صلبة] ، فقلت: أُتينا يا رسول الله, فقال: (( لا تحزن, إن الله معنا ) )فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فارتطمت فرسه إلى بطنها.
وفي رواية للبخاري يروي سراقة الخبر فيقول: (حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات - ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخَرَرت عنها، ثم زجرتُها فنهضتْ، فلم تكَد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثَرِ يديها عُثانٌ ساطع في السماء مثل الدخان ... ) . [1]
فقال سراقة: (إني قد علمت أنكما قد دعوتما عليّ، فادعوَا لي، فاللهَ لكما أن أرُدّ عنكما الطلب، فدعا - صلى الله عليه وسلم - اللهَ فنجا، فرجع لا يلقى أحدًا من الطَلَب إلا قال: قد كُفيتكم ما ها هنا، فلا يلقى أحدًا إلا ردّه) . [2]
قالَ أنس: (فكان أوَّل النهار جاهدًا على نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وكان آخرَ النهار مَسْلَحةً له) . [3]
فكان إنجاء الله نبيه من بين يدي سراقة سببًا في إسلامه وذوده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال - رضي الله عنه - وهو يخاطب أبا جهل:
أبا حكمٍ والله لو كنتَ شاهدًا لأمر جوادي إذ تسوخُ قوائمه
علمتَ ولم تَشْكُك بأن محمدًا رسولٌ ببرهانٍ فمن ذا يقاومه [4]
ولما رجع مشركو مكة من بدر مدحورين - بقوة الله -، أقبل عمير بن وهب حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحِجِر، فقال صفوان: قبَّح اللهُ العيش بعد قتلى بدر.
(1) رواه البخاري ح (3906) .
(2) رواه البخاري ح (3615) ، ومسلم ح (2009) .
(3) رواه البخاري ح (3911) .
(4) فتح الباري (7/ 286) .