أيها الأحبة! من الصور الإيجابية في هذا المقام: في أحد الأيام كان هناك رجل متميز، والشباب ليس مقيدًا بسن؛ لأنك قد تجد الرجل الكبير الذي يحمل روح الشباب، ويحمل اندفاع الشباب وحيوية الشباب وعطاء الشباب، وتجد كثيرًا من الشباب عندهم خمول وكسل وفتور وجلوس وعدم عطاء، وهذا أمر تلحظونه.
فهذا الرجل المتميز ذهب ليحضر شهادتي الماجستير والدكتوراه في أمريكا، وبعد أن أنهى دراسة اللغة الإنجليزية إذا به يقرر أن يطبق ما درسه في سجن قريب من منزله، خاصة أنه إنسان متميز بالتزامه، فقال: أستفيد وأفيد، فأستفيد أسلوب عرض ونقاش وحوار ودعوة، وأفيد هؤلاء الذين يستمعون إلي، فذهب إلى مأمور السجن واستأذن منه، فقال: حتى أستشير مرجعي، فأخذ منه العناوين، ثم بعد فترة من الزمن إذا بمأمور السجن يتصل به، ويقول: لقد جاءت الموافقة بالسماح لك بإلقاء محاضرة عن الإسلام في هذا السجن.
يقول: فذهبت وألقيت المحاضرة، وكنت قد قررت لها ساعة واحدة، وإذا بها تمتد ثلاث ساعات في نقاش وحوار وجدل وأخذ وعطاء، ثم عندما ودعتهم خارجًا من السجن، وإذا بثلاثة من الجنود يعلنون إسلامهم أمامي وعلى يدي، ووالله لقد أحرجت؛ لأني لا أعرف كيف أجعلهم ينطقون بالإسلام كما هو معلوم ومعروف، لكني طلبت منهم إعلان الشهادتين فقط، وهذا هو الأصل، ثم خرجت وأنا فرح مستبشر، وجلست في منزلي وأنا أعيش فرحة لا تعادلها فرحة؛ انطلاقًا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) .
وبعد فترة من الزمن، إذا بمأمور السجن يتصل علي، ويقول لي: هل بالإمكان أن تتحفنا بمحاضرة أخرى؟ فقلت له: محاضرة أخرى؟! أردت أن أستفزه ألا تعلم أنني أخرج بني جلدتك في ذاك السجن من دينك النصرانية إلى دين الإسلام؟ فقال: هذا لا يهمني، الذي يهمني هو أن سجني قد أخذ درجة السجن المثالي على سجون الولايات المتحدة بأكملها في الشهر الماضي، ولو أخذت المركز مرة أخرى، فإن هناك ترقية سأنالها وأنا أسعى إليها، فقلت: نعم سآتيك، واتفقت أنا وهو على موعد وألقيت محاضرة في السجن، ثم فتح لي هذا الرجل النصراني باب العطاء، وسنابل العطاء، تفتحت هذه السنابل أزهارًا متفتحة رائعة ومورقة، ثم بدأت هذا السنابل تؤتي ثمارها.
ثم يقول: كلما وجدت فرصة انطلقت إلى سجن وألقيت محاضرة أو درسًا أو كلمة أو لقاء، وطوال فترة دراستي وأنا أفعل ذلك، فسأله من سأله: كم من شخص دخل في الإسلام على يديك؟ قال: والله لا أعلم عددهم؛ فهم كثر.
انتهى هذا الإنسان من مشروعه العلمي وقرر العودة إلى بلده، لكن يا ترى هل تنقطع وتتوقف سنابل العطاء؟! إن هناك رجالًا الرجل الواحد منهم كأمة، والعكس صحيح وللأسف، فهناك أناس كثيرون، ولكنهم غثاء، يقول هذا الرجل: قررت في ذاتي قرارًا: وهو لماذا لا أقوم بإنشاء مكتبة إسلامية في كل سجن من سجون أمريكا، وإن كان هذا المشروع مستحيلًا أو أكبر من المستحيل؟ لماذا لا أجرب؟ ما الذي يمنع؟! يقول: اتصلت بالبريد الإلكتروني بإدارة السجون، وطرحت عليهم الفكرة، فقالوا لي: اعرض علينا محتوى هذه المكتبة، فعرضتها بعد استشارة مع بعض الإخوة، وهذه المكتبة هي عبارة عن مصحف مترجم، ومجموعة من الكتيبات، ومجموعة من الأشرطة التي ليس فيها أي مهاجمة للدين النصراني حتى تلقى القبول، وعندما عرضتها عليهم درسوها، ثم أرسلوا لي بالموافقة، فدرست تكاليف كل مكتبة وإذا بها تصل إلى ألف ريال، وهي عبارة عن دالوب صغير ومسجل ومجموعة أشرطة، ومجموعة كتب وكتيبات، ثم طلبت من إدارة السجون إعطائي رقمًا لأعداد سجون هذه الولايات، فإذا بهم يخبرونني أنها تتجاوز خمسة آلاف سجن، وهذا يدلك على مدى الإجرام في ذاك البلد الذي يعتبر بلد القمة عند الكثير والكثير.
وللعلم أنهم لما ضاقت سجونهم بأهلها صاروا يستأجرون بواخر قد انتهت صلاحيتها، وهي في ساحل البحر، وقرروا تحويلها سجونًا.
ثم يقول: بدأت التموين والتمويل، وبدأت آخذ من أهل الخير أموالًا لإقامة المكتبات في هذه السجون، وعندما عاد إلى هذه البلاد المباركة إذا به يعلن أنه قد تم تمويل ألف مكتبة لألف سجن.
تخيل ألف سجن فيه ألف مكتبة، وهذا رجل واحد! إذًا: هذه صورة من العطاء تعطيك دفعات قوية للبذل، وتجعلك لا تحتقر نفسك، فكل منا لديه قدرات ولديه طاقات وإمكانات بإمكانه أن يستثمرها استثمارًا بينًا واضحًا، فتؤتي كل سنبلة ثمارها، وتتفرع إلى مئات السنابل حتى تنشر الخير في كل مكان وزمان.
أيها الأحبة! تعلمون وتعرفون من خلال الصورتين السابقتين السلبية والإيجابية أن محور العمل ومحور البذل ومحور التحرك هو المال.
إذًا: المال هو -كما يقال- عصب الحياة، المال هو الأصل الذي حرك هذه الجوانب الدعوية، والحديث عن المال يحتاج منا أن نقف معه وقفة، فهذا المال أيها الأحبة! هو سماد هذه السنابل، هو ماء هذه السنابل، هو تربة هذه السنابل، هو شمس هذه السنابل، فلا يمكن لسنابل العطاء أن تنمو إلا بوجود المال، فإذا أخذ الإنسان المال وتملكه وجعله في حوزته، فلا يفيد إلا إذا خصص جزءًا من هذا المال واعتبره صدقة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى.
أيها الأخ المبارك! لا بد أن تعلم أن الصدقة مهما قلّت فإن شأنها عظيم، وأثرها كبير، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة) ، ونلاحظ في هذا الحديث أن النفقة الحسية قدمت على النفقة المعنوية، باعتبار أثرها وتأثيرها، ولو كانت قليلة ويسيرة، فلا تحقرن من المعروف شيئًا بأي صورة من الصور.