الصفحة 77 من 199

قال مقيده:

وأخرج البخاري أيضًا معلقًا عن عبد الله بن عمر أنه عصر بَثْرَة - أي: دِمِّل - في وجهه فخرج شيء من دمه فحكه بين إصبعيه ثم صلى ولم يتوضأ.

وهذا الأثر وَصَله الشافعي وابن أبي شَيْبة.

وثبت أيضًا عن الحسن البصري أنه قال: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم.

فكل هذه الآثار من الصحابة تؤيد البقاء علي البراءة الأصلية التي اعتضدت بهذين الحديثين المذكورين - حديث أبي هريرة، وحديث السائب بن خبَّاب -، وهذا يقتضي منا أن نرجح مذهب الشافعي ومالك، فنقول القئ والقَلَس والدَّم ليسوا من نواقض الوضوء.

ثامنًا: الوضوء من لحوم الإبل

أُنَبِّهُ ابتداءًا علي أن القصة التي شاعت علي ألْسِنة الناس: أن رجلًا أخرج رِيِحًا، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يَحْرِجه فقال: من أكل لحم إبل فلْيتوضأ.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُظَنُّ به أن يُلَبِّس علي المسلمين أمور دينهم حيث كان من الممكن أن يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيتوضأ معي الآن، لكن حاشا لله أن يلبِّس النبي - صلى الله عليه وسلم - علي المسلمين فيُعلِّق الحكم علي مسألة لا علاقة لها بالحكم أصلًا.

وإنما ثبت في هذا الباب حديثان صحيحان:

الأول: ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَنتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلاَ تَوَضَّأْ. قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ. قَالَ: أُصَلِّى فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أُصَلِّى فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لاَ.

والثاني: ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب أنه قال: سُئِلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ فَقَالَ: تَوَضَّئُوا مِنْهَا. وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ: لاَ تَتَوَضَّئُوا مِنْهَا. وَسُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ فَقَالَ: لاَ تُصَلُّوا فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ. وَسُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَقَالَ: صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت