الصفحة 76 من 199

قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق , أنا صببت له وضوءه.

وأجاب الشافعي عن ذلك بأن هذه حكاية فعل، وحكايات الأفعال لا يؤخذ منها إلا الإستحباب، فمثلًا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ للنوم، فهل يقال: الوضوء للنوم واجب؟

ثانيًا: ما رواه ابن ماجة والدارقُطْني من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أصابه قئ أو رُعَاف أو قَلَسَ [1] أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم لْيبن علي صلاته وهو في ذلك لا يتكلم.

وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن عبد الملك بن جُرَيْج عن ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة، وإسماعيل بن عيَّاش إن كان يروي عن الشاميين فروايته صحيحة وإن كان يروي عن الحجازيين فروايته ضعيفة، وهذا الإسناد حجازي؛ لأن عبد الملك بن جريج حجازي فالحديث إسناده ضعيف.

ولذلك هذا الحديث بعد ما رواه الدارقطني، قال فيه: الحفاظ من تلاميذ ابن جريج روو هذا الحديث عن عبد الملك بن جريج عن أبيه- من التابعين - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا والمرسل: ضعيف.

أما بالنسبة للدم فقد قال الشوكاني - وما أحسن ما قال!:

وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه والبيهقي من حديث أبي هريرةأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا وضوء إلا من صوت أو ريح ....

ورواه أحمد والطبراني من حديث السائب بن خباب بلفظ: لا وضوء إلا من ريح أو سماع .... فالواجب البقاء على البراءة الأصلية المعتضدة بهذه الكلية المستفادة من هذا الحديث , فلا يصار إلى القول بأن الدم أو القيء ناقض إلا لدليل ناهض. والجزم بالوجوب قبل صحة المستند كالجزم بالتحريم قبل صحة النقل , والكل من التقوُّل على الله بما لم يقل.

ومن المؤيدات لما ذكرنا حديث (إن عباد بن بشر أصيب بسهام وهو يصلي فاستمر في صلاته) عند البخاري تعليقًا [2] وأبي داود وابن خزيمة. ويبعد أن لا يطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل هذه الواقعة العظيمة , ولم يُنقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت. أهـ من نيل الأوطار.

(1) - القَلَس: الذي يخرج من الحَلْق وليس الذي يخرج من المعدة.

(2) - وصَلَه أبو داود وابن خُزَيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت