فهذا هو إجماع الصحابة، حتى أن الإمام أحمد قال: رَوَى أحاديثَ المسحِ أربعون صحابيًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعَدَّ أبو القاسم بن مَنْدَه الأحاديث التي ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسح فتجاوزت ثمانين صحابيًا كلهم يَرْوون هذه السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: أدلة المسح على الخفين
1 -ما ثبت في الصحيحين من حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أنه بال ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعي: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ إِسْلاَمَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ - التي فيها غسل الرجلين في الوضوء -.
وقد أخرج أبو داود هذا الحديث وفيه أن جرير قد سُئل: أكان هذا بعد المائدة أم قبل نزولها؟ فقَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلاَّ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
2 -ما ثبت عند البخاري وأحمد من حديث ابن عمر عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَيْئًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ.
فهذا الحديث فيه ثلاثة من الصحابة منهم: اثنان من العشرة. بل قال الحافظ: وقد ثبتت هذه السنة عن ثمانين من الصحابة منهم: العشرة المبشرون بالجنة.
ولذلك قال ابن المنذر: فإن قال قائل: أيهما أفضل: غسل الرجلين أم المسح على الخفين؟ ففي نظري المسح على الخفين أفضل؛ لأنه إحياء لسنة أنكرها أهل البدع [1] .
(1) 1 - ولهذا مع أن هذه مسألة فقهية إلا أن أصحاب كتب العقائد يوردون هذه المسألة من ضمن عقيدة أهل السنة. فهناك بعض المسائل الفقهية التي اتفق عليها أهل السنة ولم يخالف فيها إلا أهل البدع، تجد أن أهل السنة في كتب العقائد التي يصنفونها ينصُّون على أن هذه المسائل داخلة ضمن معتقد أهل السنة مثل: تحريم نكاح المتعة؛ لأن الشيعة عمومًا يجيزون هذا الأمر وإن كان ابن عباس قال بجواز نكاح المتعة للمضطر , لكن عامة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خالفوه في ذلك , بل قد ثبت في صحيح مسلم أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حين بويع بالخلافة وسمع أن ابن عباس يقول بجواز نكاح المتعة - وكان ابن عباس قد فقد بصره في آخر حياته - فقَامَ عبد الله بن الزبير بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا - أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ - يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ - يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ - فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ فَلَعَمْرِى لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ - يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ.