البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الوَرِع، الكَاف نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم. ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوي [1] . أهـ.
قال مقيده:
فهذا هو الأمر الذي ينبغي أن تَشدَّ النفوس إليه الرحال، أولًا: لقول الله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ؛ ولذلك كان السلف يقولون أصل العلم خشية الله.
قال الإمام المُعظَّم أبو حنيفة: والفقه معرفة النفس ما لها وما عليها، أخذ ذلك من قول الله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .
وقول الحسن: الورع الكاف ... ، أي: الذي ينكمش في مواطن الشبهات؛ وذلك لما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن عليّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ.
وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الْحَلاَلَ بَيِّنٌ و الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أمور مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ ... الحديث.
هذا الحديث أورده البخاري في مواضع:
أورده أول كتاب البيوع بلفظةٍ في غاية الأهمية وهي: فمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ.
يعني: إذا كان يشك في هذه المسألة: هل فيها إثم أم لا؟ فعليه أن يتركها تدريبًا وتمرينًا للقلب علي ترك الإثم المحض البيِّن.
قال: وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يشَكَّ فِيه من الإثمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ ما استبان.
فإذا كانت مسألة يحتمل أن تكون حلالًا ويحتمل أن تكون حرامًا، فهجم عليها، فهو بذلك يُكْسب الجُرأة للقلب في الإقبال علي المحرمات والعياذ بالله.
وقال أبو الدرداء: لا يفقه العبد كل الفقه حتي يَمْقُتَ الناس في ذات الله ثم يُقبل علي نفسه فيكون أشدَّ لها مقتًا.
(1) 1 - إحياء علوم الدين، باب: بيان ما بُدِّل من أسماء العلوم.