العلم بالأحكام الشرعية: هذا طبعًا فيه احتراز عن الأحكام العقلية كقولنا مثلًا: الكل أكبر من الجزء، هذا حكم عقلي. أو كقولك مثلًا الأَسْبرين يُذهب الصداع، هذا حكم عادي معروف من قِبَل العادة والتجربة، أما الحكم الشرعي فهو الذي يُتوقف في معرفته علي الشرع.
العملية: يخرج بذلك العلم بالأحكام الشرعية العلمية كقولنا مثلًا: الإجماع حجة، خبر الآحاد حجة، فليس هذا حكمًا عمليًا بل هو حكم علمي.
المكتسب: للإحتراز عن علم الله، فعلم الله غير مكتسب، وللإحتراز أيضًا عن علم الأنبياء والملائكة فهو علم يُلقي من الله في قلوبهم وليس علمًا مكتسبًا.
من الأدلة التفصيلية: للإحتراز عن علم المُقَلِّد، وعن مسائل الخلافيات - علم الخلاف -؛ لأن المُقلِّد يستند إلي دليل إجمالي وهو قول الله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . فهو يذهب إلي العالم فيسأله: ما حكم الشرع في كذا؟ فيقول له: واجب أو محرم أو مباح وما إلي ذلك.
فهذا المقلد دليله إجمالي وهو الدليل الذي أحاله علي العالم، وكذلك علم الخلاف - كمثلًا هذا المصنف المعروف لدينا جميعًا بالفقه علي المذاهب الأربعة مُدَوَّنة فيه مذاهب أهل العلم فليس هذا من الفقه وإنما يسمي - كما قال أهل العلم ونص عليه غير واحد: بنتائج الفقه.
أي أن: المسائل المدونة تسمي نتائج الفقه أما الفقه فهو: استخراج الحكم الشرعي من الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وحامله يُعْرف بالفروعي ولا يسمي مجتهدًا.
وهذا التعريف كما قال الغزالي:
ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الأخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الأخرة واستيلاء الخوف على القلب ويدلك عليه قول الله: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسَّلَم والإجارة فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له
وقد سَأَلَ فَرقد السبخيُ: الحسنَ عن الشيء، فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن: ثَكِلَتك أمك فريقد! وهل رأيتَ فقيهًا بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الأخرة،