أول الأمر فُرضت الصلاة علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة ثم بعد ذلك فرض الصيام في العام الثاني من الهجرة .... وهكذا، فالشريعة تزداد شئ فشيئًا.
فلو أنه لم يوجد إلا هذه الأحاديث فقط لكانت هذه الأحاديث دالة علي الوجوب فعلًا؛ لأنها أتت بعد آية الوضوء وأوامر الشرع تزداد شيئًا فشيئًا، لكن في الحقيقة هناك حديث آخر هو الذي اعتمد عليه الجمهور في أن المضمضة والاستنشاق مستحبان فقط وهو حديث المسئ في صلاته.
وهذا الحديث ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وعند أصحاب السنن من حديث رفاعة بن رافع الزُّرَقيّ، وفي هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسئ في صلاته: توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك وامسح برأسك واغسل رجليك [1] .
فلم تُذكر المضمضة والاستنشاق هنا، ولكن أهمية هذا الحديث: أن الآية لو كانت هي الموجودة فقط فالأحاديث هذه التي تأمر بالمضمضة والاستنشاق لاشك أنها جاءت بعد الآية، لكن في الوضوء مع وجود حديث المسئ في صلاته فنحن لا ندري إن كان هذا الحديث قبل الأمر بالمضمضة والاستنشاق أو بعد الأمر بالمضمضة والاستنشاق.
-فلو كان قبل الأمر بالمضمضة والاستنشاق لكانت المضمضة والاستنشاق واجبتان.
-وإن كان بعد الأمر بالمضمضة والاستنشاق، فحيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالمضمضة والاستنشاق فهذا دليل علي أن المضمضة والاستنشاق مستحبان فقط.
والأصل هو: براءة ذمة المكلف من أي واجب، يعني الواجبات لا تثبت بالإحتمال؛ لأننا قلنا القاعدة الشرعية الأصلية:"اليقين لا يُتْرك بالشك"فالأصل: براءة ذمتك من أي واجب إلا إذا دل عليه دليل شرعي، أما أن يُوجب الأمر بمجرد الإحتمال فلا.
وهذا هو الذي أدي بالشافعي ومالك والجمهور إلي الذهاب إلي أن المضمضة والاستنشاق مستحبان فقط وليس واجبين، فالمسألة هذه من أشكل المسائل في أمر الوضوء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمضمضة والاستنشاق وواظب علي المضمضة والاستنشاق فثبت من جهة الأمر أو من جهة الفعل مع المواظبة علي الفعل فالحق أن المضمضة والاستنشاق مستحبان فقط.
وهناك تفاصيل أخري فمثلًا:
(1) 1 - هذا القدر: فاغسل وجهك ويديك وامسح برأسك واغسل رجليك ذكره الشوكاني في نيل الأوطار، ولم أعثر عليه.