وهذا مذهب الأئمة الأربعة لما سيأتي إن شاء الله؛ إذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابًا إلي أهل اليمن وفي هذا الكتاب: ولا يمس القرآن إلا طاهر، والحديث إسناده حسن من رواية أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عند الدارقطني.
إذن: فالوضوء يكون للصلاة والطواف بالبيت ومسك المصحف، وأشرف هذه الأمور هو الأمر الذي أُجمع عليه وهو الوضوء للصلاة فنحن نجد أن في موضوع الوضوء للطواف والوضوء لمسك المصحف فيهما خلاف والخلاف هناك عند ابن عباس - ترجمان القرآن وحبر الأمة - أنه أجاز مس المصحف بغير وضوء ولكن في مسألة الوضوء للصلاة فهذا مُجمع عليه؛ ولذلك قال بعض أهل العلم يستحب أن ينوي الوضوء لرفع الحدث لاستباحة الصلاة فإنه إن استباح الأمر المجمع عليه يكون استباحة غيره من باب الأولي والأحري ولكن إذا نوى الوضوء - وكل هذا بالقلب - لرفع الحدث كفاه هذا الأمر.
قول النبي - صلى الله عليه وسلم: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أي: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصدًا فهجرته إلي الله ورسوله حكمًا وشرعًا.
وهنا كلمة جميلة لابن القيم وكذلك قال الحافظ في الفتح وهو يشرح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه.
قال: الهجرة هجرتان:
هجرة بالجسم من بلد الى بلد وهذه أحكامها معلومة وليس المراد الكلام فيها.
والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله وهذه هي المقصودة هنا وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها ...
وهي هجرة تتضمن: (من و إلى) فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته.
ومن عبودية غيره الى عبوديته.
ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه.
ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له إلى دعائه وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له وهذا بعينه معنى الفرار اليه ... [1] .
(1) 1 - الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه.