وفي حديث جابر أنه لما كان يوم التروية وأحرم الناس من البَطْحاء للحج دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - علي عائشة فوجدها تبكي فقال لها: مَا شَانُكِ؟ قَالَتْ شَانِى أَنِّى قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَم.
إذن: هذا الأمر مكتوب علي بنات آدم كلهن خلافًا لقول من قال: أول ما أُلقي الحيض اُلْقِي علي نساء بني إسرائيل. فهذا قول ضعيف والصحيح أنه أمر مكتوب علي بنات آدم بنص كلام الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -.
قال النووي:
اعلم أن باب الحيض من عَوِيص الأبواب ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله. أهـ من المجموع.
ولكن قال بعض أهل العلم: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَمُتْ حتي بيَّن لنا كل ما يجب علينا أن نعتقده أو أن نعمل به، وتصديق ذلك في قوله تعالي: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119 [.
ثم الآية التي نزلت علي النبي - صلى الله عليه وسلم - عَشِيَّة عرفة في حجة الوداع وهي قوله تعالي: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3 [.
لكن لا مانع من أن تقول - كما قال الغزالي رحمه الله:
لو شاء الله لجاءت الشريعة أمور قطعية، فيأتي النص ويقول: النقاب واجب أو النقاب مستحب، صلاة الجماعة فرض أو صلاة الجماعة سنة مؤكدة.
لكن جاءت الشريعة علي ما تري حتي يتفاوت الناس في مراتب الإتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه الكلمة عظيمة جدًا من الإمام الغزالي، ينبغي أن نستحضرها دائمًا.
فهذا تجريد للإتباع؛ لأن الله - عز وجل - عند الإختلاف لم يتركنا ولم يخيِّرنا أن نعمل بأي قول شئنا، وإنما فرض علينا عملًا بيَّنه لنا في كتابه وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وقبل أن نتكلم عن تفاصيل الحيض، فهناك أحكام تتعلق بالحيض:
أولًا: يحرم على الحائض الطهارة
فإذا كان الحيض سببًا في نقض الطهارة، فكيف تُتَصور الطهارة مع استمرار الحدَث! فهل يصح أن يتوضأ الرجل وهو يبول؟